رحم الله الزميل الزاهد الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين ([1])
طوتك
يا سعد أيام طوت أمما ** كانوا فبانوا وفي الماضين معتبر
الإنسان
حينما يمسك بالقلم راثياً ومؤبناً قريبا أو صديقا عزً عليه فراقه وغيابه عن ناظريه
غياباً أبديا، فإنه يهز قلمه ليمج من جوفه مداداً يسيحُ حزنا على ورقة مُتذكراً
بعض المواقف الطريفة معه، عبر مر السنين وما يتخللها من ذكريات جميله تضيء جوانب
النفس حينما يأذن المرء في خلواته بتمريرها في خاطره تلذذاً لتذكر تلك السويعات
والليالي المقمرة التي مضت ولن تعود، ولا سيما أيام الدراسة الحلوة وما يتخللها من
مرح وفرح، ورحلات تُبهج النفوس وتجدد الخلايا الذهنية لتلقي المواد الدراسية بكل
نشاط وحيوية. وهذا هو شأني مع الزميل الحبيب الشيخ سعد، ومع ثلة من الزملاء (آنذاك)
ولا سيما زمن الدراسة بدار التوحيد في الطائف عامي 71/1372هـ، الذي لبى داعي الله
يوم الخميس الموافق 3/3/1436هـ، ولقد فوجئت برحيله العاجل، وحزنت لذلك حزنا شديدا،
وكنت أثناء تصفحي صحيفة الجزيرة يوم الثلاثاء 1/3/1436هـ، اطلعت على مقال مطول له
استوعب صفحة كاملة، فبادرت بالاتصال على منزله بحي العوالي بضواحي مكة المكرمة
لأشكره وأبارك له بسعة علمه ووفائه.. مقترحا محاوله عدم الإطالة في كتاباته القيمة
الدسمة ليسهل على القارئ استيعاب مضمونها... ففوجئت بأنه في المستشفى منذ أيام
قلائل، وأن ذلك آخر مقال خطَّه يراعه -رحمه الله -وفي صباح يوم الخميس 3/3/1436هـ
أبلغت عن رحيله -كما أسلفنا آنفا-:
رحلت
عن الدنيا وكم كنت زاهدا ** وشوقك للرحمن أسمى المكارمِ
ولقد
ولد الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الحصين عام 1353هـ في شقراء عاصمة منطقه
الوشم، وتخرج من مدرسه شقراء الابتدائية عام 1367هـ، هو من الأوائل بها..، ثم شخص
إلى الطائف، والتحق بمدرسه دار التوحيد المتوسطة والثانوية، وتخرج منها عام 1372هـ،
بعد ذلك التحق بكلية الشريعة بمكة المكرمة حتى نال الشهادة العالية بها عام
1376هـ، ثم واصل نشاطه التحصيلي فكأني به قد سمع قول القائل:-
إذا كنت ترجو كبار الأمور ** فأعدد
لها همة أكبرا
حيث
حصل على الدبلوم العالي من معهد الدراسات العربية العليا في الأدب العربي
والدراسات الاجتماعية بالقاهرة عام 1380هـ، ثم حصل على الماجستير من جامعة جنوب
كاليفورنيا -لوس أنجلوس-في فلسفة التربية عام 1390هـ. ولقد أجاد وأبدع في اللغة
الانجليزية في سن مبكرة، وعمل مديرا لإدارة البعثات الخارجية بوزارة المعارف 84-1388هـ،
وأسس وأشرف على إصلاح التعليم الابتدائي والمتوسط بالمملكة عام 1397هـ، حيث كان مديرا
للإدارة العامة للتعليم الثانوي بوزارة المعارف 92-1401هـ، بعد ذلك عمل مشرفا على
الدعوة والدعاة السعوديين في الشام 1401-1422هـ:
أطل على كلا الآفاق حتى ** كأن الأرض
في عينيه دار
كان
سماحه الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله) يطالبه بالتحول من العمل في التعليم
العصري إلى التعليم الشرعي (الدعوة إلى الله على بصيرة) لما لمسه من صافي الذهن
ونقاء السريرة، وكان يعتذر بارتباطه كمحاولة إصلاح التعليم العصري، ويقول عن نفسه:
إنه ركز على إفراد الله بالدعاء ومحاربة الابتداع في الدين، وكذلك ركز على تدبر
القرآن الكريم والعمل به مع حفظه وتجويده والمحافظة على النوافل، فهو (رحمه الله)
قدوة حسنة في مجال الدعوة الحسنة إلى رب العباد جل ثناؤه:
سعدت أعين رأتك وقرت ** والعيون التي
رأت من رآكا
فكل
حياته جد ومثابرة في التحصيل العلمي والأدبي، فهو صديق الكتاب والقراءة في معظم
أوقاته.. حتى ولو قبيل جلوسنا لأداء الاختبار السنوي بدار التوحيد بالطائف عام
1372هـ، فهو زميل دراسة لا زميل فصل، وبيده أحد كتب (دار الهلال) قبل توفر الكتب
الأخرى، ومع ذلك كله يأخذ الترتيب الأول على أقرانه وزملائه .. فقد وهبه المولى
ذكاء مفرطا هو وشقيقه معالي الشيخ صالح الذي سبقه إلى مضاجع الراحلين في مساء يوم
السبت 24/6/1434هـ (رحمهما الله رحمة واسعة)، وكأن لسان حال أخيهما المهندس
عبدالله وزير الكهرباء والمياه يردد هذا البيت تحسرا على رحيليهما:
تتابع أخوتي ومضوا لأمر ** عليه تتابع
القوم الخيار
ومعلوم أن أسرة آل حصين قد وهبهم الله حدة في الذكاء، وصفاء في
الذهن، ولين الجانب، رحم الله الراحلين منهم، وأسعد من هم على قائمة الانتظار ليوم
الحساب بعد عمر طويل وحياة سعيدة حافلة باليمن والمسرات، وهذه سنة الله في خلقه،
وعلى أي حال فذكرياتنا الحبيبة إلى قلوبنا مع الشيخ سعد (أبي طارق) باقية في شعاب
النفس مدى عمري.
هنيئا له قد طاب حيا وميتا ** فما كان محتاجا لتطييب أكفاني
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه عالي الجنان، وألهم ذريته، وأخاه
عبدالله، وأبناءه وبناته وعقيلته أم طارق، وجميع أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق