الشيخ
محمد بن زوير في ذاكرتي ([1])
حبيب
عن الأحباب شطت به النوى ** وأي حبيب ما أتى دونه البعدُ
حينما
يغيب عالم عن الوجود يشعر مجتمعه وأبناء وطنه وتلاميذه بفراغ وفجوة واسعة حسب
مكانته وغزارته العلمية وكرمه وعموم نفعه - فقيمة كل امرئ ما يحسنه - فكلما يرد
ذكره يكثر الترحم عليه، وعد شطر من محاسنه وأفضاله، فما أسعد من يبقى ذكره متجدداً
خالداً في قلوب محبيه ومجتمعه على تعاقب الملوين.
فاغرس
من الفعل الجميل فضائلاً ** فإذا رحلت فإنها لا ترحل
وهذا
يذكرنا بالشيخ الفاضل محمد بن عبدالله الزوير (رحمه الله) وبسيرته العطرة، الذي
ولد في حريملاء عام 1343هـ، وترعرع في أكنافها بين أحضان والديه وبين أقرانه
ولِداته، وقد فقد بصره في صغره.. ولم يعقه ذلك حيث حفظ القران الكريم وهو في سن
مبكرة، وقد عوضه الله قوة في الذاكرة ونفاذ بصيرة، مما سهل عليه قطع المراحل
الدراسية كلها بكل يسر وتفوق، وكأنه يتمثل بقول حبر الأمة عبدالله بن عباس (رضي
الله عنهما) بهذين البيتين:
إن
يأخذ الله من عينّي نورهما ** فان قلبي مضيءٌ ما به ِ ضرر ُ
أرى
بقلبِيَ دُنيايَ وَآخرَتِي ** وَالقلبُ يُدرِكُ ما لاَ يُدرِكُ البَصرُ
وقد
أخذ مبادئ العلم على بعض علماء حريملاء، فحفظ المتون المعروفة، مثل الثلاثة
الأصول، وكتاب التوحيد، وكتاب آداب المشي إلى الصلاة، ومتن العقيدة الواسطية، وغير
ذلك من المتون..، ثم شخص إلى الرياض، وتلقى علم النحو والفرائض على فضيلة الشيخ
عبداللطيف بن إبراهيم وعلى سماحة الشيخ المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ في بقية
العلوم، وعند افتتاح المعهد العلمي بالرياض التحق به ضمن تلاميذ الحلق بالمساجد،
واستمر في مواصلة الدراسة حتى نال الشهادة العالية بكلية الشريعة بالرياض عام
1382هـ، ثم عين مدرساً بالثانوية الصناعية في المدينة المنورة، ومكث بها إلى عام 1387هـ،
ثم انتقل إلى متوسطة الإمام الشافعي بالرياض الواقعة على مقربة من شارع عسير،
واستمر بها مدرساً في مادة التفسير والفقه والتوحيد، وكان محبوباً لدى طلابه
وزملائه ومرجعاً لهم في بعض المواد والمسائل الفقهية، يفتيهم عندما تدعو الحاجة مع
إيضاح ما قد يشكل عليهم رغم فقد بصره، فهو بصير لا يبصر شأنه شأن أمثاله من زملائه
المكفوفين كالشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم المشعل والشيخ مشعل وشقيقه الشيخ علي بن
عبدالرحمن المشعل وغيرهم، كما أنه لا يبخل على من يقصده من أصدقائه مكفوفي البصر
حديثي التعيين لإقراضهم رغم قلة المادة لديه حتى تتحسن أوضاعهم مما يدل على سخاء
نفسه، وهذه من الصفات المحمودة التي حث عليها ديننا الإسلامي، ولنا مع أبي
عبدالرحمن بعض الذكريات الجميلة عندما يزور والدنا الشيخ عبدالرحمن بن محمد الخريف،
ويسأله عن بعض المسائل الفقهية التي قد تشكل عليه، فيفيده الوالد بتبسط قائلاً:
لعل الجواب الصحيح كذا.. وقد ذكر في الكتاب الفلاني.. وفي الكتاب الآخر كذا..
فيوفق بين الروايتين، كما أن له صله قرابة مع والدتنا، فيزورنا بين حين وآخر (رحمهم
الله جميعاً). وأذكر جيداً أنه قد قام بإكرامي عندما قدمت إلى الرياض أول مرة للدراسة
والإلتحاق بحلقات المساجد لدى سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بمسجده بدخنة وأخية
الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، ولدى الشيخ إبراهيم بن سليمان الراشد بالجامع الكبير
بعد صلاة المغرب، وكان لذاك التكريم وقع جميل في نفسي ظل ذكره مقيما في خاطري إلى
اليوم. وقد أصيب ببعض الأمراض أثناء عمله أعيت الأطباء كباح جماحها، فطلب من
الدولة – أعزها الله بطاعته– الموافقة على نقله إلى أحد المصحات بالقاهرة على
نفقتها، فسافر وبصحبته ابنه الأكبر عبدالرحمن، وحينما أخذ يتلقى العلاج بمصر تعذر
شفاؤه لتمكن المرض من جسمه الطاهر، فانتقل إلى رحمة الله في شهر جمادى الآخرة عام
1398هـ بعيدا عن أهله وعن مهوى رأسه (حريملاء)، ودفن بمقبرة العباسية بالقاهرة،
وصدق الله العظيم الذي قال في محكم كتابه إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ سورة
لقمان آية 34، وقد حزن على رحيله أهله وأسرته وتلاميذه وزملائه وجميع محبيه، حيث
كان يتمتع بلين الجانب وسماحة الخلق وقد
خلّف ذريّة صالحة تدعو له وهم ثلاثة من البنين وثلاث بنات وزوجة صالحة توفيت عام
1421هـ (رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق