الشيخ الأستاذ سليمان الشلاش مازال
في ذاكرتي([1])
فراق
أخٍ كان الحبيب ففاتني ** وولى به ريب المنون فأسرعا
من طبيعة الإنسان إذا انفرد بحاله في
أجواء يسودها الهدوء والسكون أن يتداعى عليه الكثير من الهواجس والأفكار في محيطه
الأسري والاجتماعي، وقد تزحف به إلى عوالم أبعد مثل عصر الطفولة والصبا حلو
المواقف الطريفة محلقة به في فضاءات رحبة الأفاق يسرح فيها ويمرح كيف يشاء،
فأحلاها وأبقاها رسوخا في المخيلة ذكريات أيام الدراسة في جميع مراحلها بصحبة رفاق
دربه وزملائه الأخيار فإنه يجد سلوة وتلذذا بتذكرهم وما جرى بينهم من فرح ومرح،
والترحم على من رحل منهم إلى الدار الباقية تاركين آثارا حميدة تجدد ذكرهم على مر
الأيام وتعاقب الأجيال جيلا بعد جيل، فمن أولئك الأحبة الشيخ الأستاذ الكبير
المربي سليمان الشلاش بن عبدالله الشلاش الذي سعدت بمعرفته لأول مرة عن قرب في
أوائل عام 1372هـ أثناء اتجاهنا معشر طلاب دار التوحيد إلى الطائف ومعنا بعض طلاب
الشريعة بمكة المكرمة على متن إحدى السيارات ذات الغمارة الواحدة مكشوفة الصندوق
تسمى - حمالي - الذي أمر جلالة الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه) بنقلهم سنويا من
قراهم ومن بلدان نجد إلى منطقة الحجاز ذهابا وإيابا مدة الدراسة - آنذاك - ترغيبا
وتشجيعا منه لمواصلتهم الدراسة وتسلحهم بسلاح العلم النافع، قبل انتشار المدارس (فوق
الابتدائي) في ربوع نجد مع تخصيص مكافآت سخية وسكنا مريحا لهم، وكانت زوجة ذاك
الطالب النجيب الأستاذ سليمان الشلاش معه ومكانهما بمقدمة السيارة في مقصورة
السائق أثناء سير السيارة، وكنا نتعجب ونستكثر منه (رحمه الله) كيف يتزوج وهو ما
زال طالبا، والبعض يقول: زوجوه أهله لأجل أن توسع خاطره وتخفف عنه وحشة الغربة.
فعلى أي حال رحلة جميلة ممتعة لجميع الركاب رغم بعد المسافة ووعورة الطريق.
ولقد ولد في مدينة حائل في أوائل الخمسينيات
تقريبا، وقد التحق (رحمه الله) في بداية حياته بمدرسة أهلية بمدينة حائل التي
يتولى التدريس فيها الأستاذان عمر ويوسف اليعقوب، وكانت بداية الدراسة بتلك
المدرسة بمنزلة البنية الأساسية لتعليمه، وتهيئته لمواصلة الدراسة، حيث ألحقه
والده بالمدرسة السعودية الابتدائية الواقعة في محلة (باب غطاط) بحائل، وقد كتب في
مذكرات مختصرة عن سيرة حياته أن من زملائه في تلك الحقبة الزمنية: صالح القريشي،
إبراهيم اليحيى، عبدالله اليحيى، الأمير عبدالله بن مساعد (أمير الحدود الشمالية)،
وعبادل السبهان، وعندما علم والده (رحمه الله) الذي كان مؤذنا في مسجد الجديدة
بحائل أن الملك عبدالعزيز قد أمر بافتتاح مدرسة متخصصة في العلوم الشرعية (دار
التوحيد بالطائف) ألحقه بها حتى نال الشهادة الثانوية عام 1370هـ، ومن زملائه بها
على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين، والشيخ عبدالله بن
عبدالرحمن البسام، والأستاذ عبدالرحمن بن داوود، والأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله
العبدان (رحمهم الله)، بعد ذلك واصل الدراسة بالمرحلة الجامعية بكلية الشريعة
واللغة العربية فحصل على الشهادة العالية بها عام 1374هـ، كما حصل لاحقا على دبلوم
عال في التربية من كلية التربية من جامعة الملك سعود (رحمه الله)، وبعدما تخرجنا
جميعا وغادرنا مقاعد الدراسة في كلتا المرحلتين الثانوية والجامعية حصل تواصل
ولقاءات بيننا، فقويت عرى الصداقة معه ومع شقيقه الشيخ عبدالله (رحمهما الله جميعا)،
وفي عام 1375هـ تم تعيينه للعمل معتمدا للتعليم بمنطقة جازان حيث عمل في التدريس
والإدارة، وساهم في فتح العديد من المدارس والمعاهد...، وبعد فترة وجيزة عين مديرا
عاما للتعليم بالمنطقة نفسها عام 1376هـ، واستمر نشاطه متواصلا هناك حتى عام
1380هـ، ثم انتقل مديرا عاما بمنطقة القصيم إلى عام 1404هـ، حيث طلب التقاعد مبكرا
لظروفه الصحية. وكان من أبرز أعماله الجليلة بمنطقة القصيم نشر التعليم في المدن
والأرياف ويتضح من ذلك إحداث العدد الهائل من المدارس باختلاف مراحلها أثناء توليه
إدارة التعليم، وقد ذكر (رحمه الله) أنه عندما وصل المنطقة لم يكن بها سوى أربع
مدارس متواضعة الإمكانيات حتى وصل عدد المدارس إلى خمسمئة مدرسة في عام 1400هـ، كما سعى (رحمه الله) إلى افتتاح
عدد من المعاهد والكليات لخدمة أبناء المنطقة حيث تم افتتاح كلية للمعلمين، ومعهد
للمكفوفين ومعهد زراعي ومعهد صناعي، مع تشييد مباني حديثه وتجهيزها..، وله نشاطات
أخرى حيث ساهم بشكل مباشر في إنشاء جمعية البر الخيرية بمدينة بريدة، وجماعة تحفيظ
القرآن الكريم بمنطقة القصيم، وعضوية للنادي الأدبي بالقصيم، كما كان عضوا دائما
في العديد من اللجان التنظيمية بوزارة المعارف -آنذاك-وعلى مستوى المنطقة، وله باع
طويل في التروي من حياض العلوم النافعة والآداب والأشعار رفيعة المستوى، فهو على
جانب من الحنكة والدراية والتواضع الجم، كما أنه ولوع بالرحلات الداخلية
والخارجية، فقد ارتحل إلى العديد من مدن بلدان العالم الخارجي ومعظمها للعلاج،
وكان (يرحمه الله) يستثمر وجوده هناك بزيارة المراكز الإسلامية وإلقاء الخطب
والمواعظ وخاصة بعد صلاة الجمعة، وقد قام برحلات إلى كل من: مصر، ألمانيا، أمريكا،
الصين والهند وغيرها من البلدان الأخرى، فملأ عينيه بتسريحهما في آفاق الدنيا
المتباعدة قبل أن يغمضهما هادم اللذات ومفرق الجماعات:
أطل
على كل الأفاق حتى **كأن الأرض في عينيه دار
وعقب عودته من رحلته العلاجية في
ألمانيا أقام أهالي القصيم احتفالا شعبياً في مزرعة الشيخ صالح السلمان (يرحمه
الله) قرب مدينة بريدة ألقيت فيه العديد من كلمات الثناء والشكر، كما أقامت وزارة
المعارف احتفالا رسميا له على شرف أمير المنطقة بمعهد النور للمكفوفين ببريدة،
ألقيت في كلمات شكر وتقدير من أمير المنطقة..، ومدير التعليم بالمنطقة نيابة الوزارة:
خلفت في الدنيا بيانا خالدا ** وتركت أجيالا من الأبناء
وغدا سيذكرك الزمان، ولم يزل** للدهر إنصاف وحسن جزاء
وغدا سيذكرك الزمان، ولم يزل** للدهر إنصاف وحسن جزاء
ولي مع أبي عبدالرحمن بعض الذكريات الجميلة التي لا تغيب عن خاطري
أبد الأيام، وتبادل الزيارات الخفيفة لا يتسع المقام في بسطها، ويعد بمنزلة
الزملاء بدار التوحيد. وقد انتقل إلى رحمة الله فجر يوم الخامس عشر من شهر ذي
الحجة عام 1417هـ، وذلك بمنزله بحي الفايزية بمدينة بريدة، وصلى عليه خلق كثير
بجامع خادم الحرمين الشريفين، ودفن بمقبرة الموطأ (تغمده المولى بواسع رحمته).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق