الاثنين، 5 سبتمبر 2016

الشيخ الفاضل عبدالعزيز الرشيد وسيرته العطرة

الشيخ الفاضل عبدالعزيز الرشيد وسيرته العطرة ([1])

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم**بعد الممات جمال الكتب والسير

الإنسان حينما يهم بالكتابة عن صديق حميم أو عالم جليل ومعلم فاضل قضى معه أجمل ساعات عمره وأثمنها فإنه يحار كيف يكتب وكيف يبدأ، وهذه كحالي مع شيخي ومعلمي الكريم فضيلة الشيخ المربي عبدالعزيز بن ناصر الرشيد الذي لم يتسن لي تأبينه حين وفاته وذكر شطر من مآثره الحسان لانشغالي في ذلك الوقت بالأعمال الوظيفية المتراكمة حيث كنت مديراً للمتوسطة والثانوية بمحافظة حريملاء مع الإشراف على المكتبة العامة، ولم يجر قلمي راثياً ولا مؤبناً لأحد... إلا بعد التفرغ ومغادرة كرسي العمل، ولعل ذلك يشفع لي وإلا فالحقيقة أن مثله يستوجب منا المبادرة في التنويه بذكره وبذكرياتنا الجميلة معه، ومع ابنه الزميل الفاضل منصور - أبي خالد - في المرحلة الثانوية في المعهد العلمي بالرياض عامي 73/1374هـ  الذي انتقل الى جوار ربه منذ أيام قلائل؛ أي في يوم الأحد 27/6/1435هـ مأسوفا على رحيله، ولقد اتسم بهدوء الطبع وسماحة الخلق، ولين الجانب وبالمثابرة في التحصيل العلمي، وبعد التحاقه بكلية الشريعة.. عمل بعدها معلما في المعهد العلمي لمدة سنتين، ثم انضم إلى أوائل الموظفين المؤسسين للرئاسة العامة لتعليم البنات عام 1381هـ الذي كان يرأسها والده الشيخ عبدالعزيز مواصلا عمله بكل جد وإخلاص حتى تقاعد في عام 1423هـ وكان يعمل خبير تخطيط تربوي - رحمهما الله رحمة واسعة. وعلى أي حال من اعتذر فكأنه غير مقصِّر، وإن كان التقصير حاصلاً...، والواقع أننا قد استفدنا من توجيهاته الأبوية ومن علمه الغزير، ولاسيما في مادتي الفقه واللغة العربية:
بالفقه في الدين نال الخير أجمعه ** والفقه في الدين غصن كله ثمر
بل وفي علم الفرائض علم المواريث..، أثناء الحصص، وبشروحاته المبسطة المركزة مطعماً تلك الحصص ببعض المنشطات الفكاهية، وبالمداعبات الخفيفة إذا شعر بعدم انتباه البعض منا وتشاغله عن الإنصات، فهو يغرف من أنهر العلوم العذبة، ويبذل جهده في إفهام كل طلبته ، وكان -رحمه الله – يحثنا على حفظ النص وفهمه أولا لأجل رسوخه في مستودع الذاكرة، ومتبع ذلك بهذه العبارة: "من حفظ حجة على من لم يحفظ"، فتعويد الذاكرة على حفظ المتون والنصوص بصفة عامة، يزيد في إثراء المخزون الفكري والعلمي لدى الإنسان، فهذا هو لسان حال شيخنا، تغمده المولى بواسع رحمته. ولقد حاولت أثناء كتابة هذه الأسطر أتذكر وأتصور مكان جلوسنا على مقاعد الدراسة، وهو أمامنا معشر طلاب السنتين الثالثة والرابعة بالرياض الذي مضى على ذلك أكثر من ستين عاماً، فاستعنت على تذكر كل زميل وهو جالس على مقعده الدراسي الخاص داخل الفصل بعدسة، وبشريط الذاكرة لتقريب ذاك المشهد الجميل على سبيل التوهم تلذذا بتذكر أيامنا الأُول، ومخاطباً لهم بهذين البيتين:
فحسبت نفسي حاضراً معكم ولا ** تعجب إذا كان الغياب حضورا
إن القلوب إذا صفت مرآتها ** وإن حجبت ترى بها منظورا

ولقد ولد الشيخ العلامة عبدالعزيز بن ناصر الرشيد عام 1334هـ في مدينة الرس إحدى مدن منطقة القصيم، وترعرع بين أحضان والديه ونشأ في بيت علم وأدب محباً للقراءة في بطون الكتب، بعد ما أخذ نصيباً من القراءة والكتابة، وقراءة القرآن الكريم، حيث درس في الكُتّاب المشهورة بالجد وحفظ الوقت، فهو على جانب من الفطنة والذكاء، ثم بدأ يتلقى العلم على يد الشيخين الجليلين: عمه قاضي الرس وتوابعها الشيخ محمد بن عبدالعزيز، والشيخ إبراهيم الضويان صاحب موسوعة (منار السبيل). بعد ذلك شد الرحال صوب الرياض رغم صغر سنه، لينهل من حياض العلوم الصافية المفيدة على يد علمائها الأفاضل، وفي مقدمتهم سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم وشقيقة فضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وغيرهما من العلماء الإجلاء، وفي عام 1358هـ انتقل إلى مكة المكرمة مواصلاً تلقي العلم على أيدي علماء الحرم المكي الشريف، ثم كلف مع نخبة من أمثاله بمهام الوعظ والإرشاد والتدريس في أروقة المسجد الحرام بمكة المكرمة ، بعد ذلك كلف بالتدريس بالمعهد السعودي بمكة المكرمة فترة من الزمن، ثم انتقل للقضاء في بلاد غامد وزهران بمنطقة الباحة، وتدرج في عدد  من المواقع المشرفة قاضياً، وفي عام 1380هـ  فكرت الدولة – أعزها الله – في تأسيس جهاز كبير يتولى تعليم الفتاة السعودية، فرأت أنه خير من يقوم بهذه المهمة الكبيرة، فصدر الأمر الملكي بتعيينه رئيسا عاما لتعليم البنات، فهو أول رئيس عام لها، فقام - رحمه الله - بعمله خير قيام، وافتتح العديد من المدارس وإدارات التعليم في كبريات المدن، ثم انتشر التوسع بتدرج  في مدنها وقراها إلى عصرنا الحاضر المزدهر عصر أبي متعب، خادم الحرمين الشريفين، وعضدية الكريمين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد وصاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولي ولي العهد، أعانهم المولى ومتعهم بالصحة التامة. وبعد ذلك بفترة زمنية صدر الأمر بتعيين فضيلته رئيسا لهيئة التمييز، واستمر في ذلك العمل المشرف حتى تقاعد في 1/1/1405هـ بعد حياة طويلة حافلة بالعطاء في الأعمال التي زاولها وتسنم قممها، كما ترك آثاراً خالدة من مؤلفاته المفيدة، منها على سبيل المثال: عدة الباحث وهو كتاب نفيس في علم الفرائض قُرر في مناهج طلاب المعهد العلمي لأهميته في أحكام التوارث، وكتاب التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية، والقول الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وتفسير آيات الأحكام  خمسة أجزاء، وغير ذلك من المؤلفات والبحوث، وهذا طرف من الذكريات معه وعن سيرته العطرة:
وأحسن الحالات حال امرئ ** تطيب بعد الموت أخباره
يفنى ويبقى ذكره بعده ** إذا خلت من شخصه داره

هذا ولا يسعني إلا أن أشكر الأستاذ الأديب الكاتب عبدالله بن صالح الرشيد – أبا بسام – الذي زودني ببعض المعلومات عن شيخنا، وكانت وفاته يوم الاثنين 4/3/1408هـ، ودفن بمقابر العود بعد أداء الصلاة عليه بالجامع الكبير بالرياض (تغمده المولى بواسع رحمته ومغفرته).



([1]) أرسلت للنشر في صحيفة الجزيرة يوم الثلاثاء 5 شعبان 1435هـ، الموافق 3 يونيه 2014م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق