فضيلة
الشيخ القاضي سعد بن عبد الرحمن بن محارب ذِكْرُهُ الطّيب باقٍ على مر الأيام
([1])
كلُ
ابن أنثى وإن طالت سلامته ** يوماً على آلة حدباء محمول
من
الناس من يُفطَر على رحابة الصدر ولين الجانب منذ مقتبل عمره، وربما أن البيئة
الصالحة التي عاش فيها تزيده تواضعاً وحباً لمن يتصف بالاستقامة في دينه،
والاعتدال في تعامله مع الناس عامة، فالتحلي بالأخلاق الفاضلة والتواضع الجمّ مما
يقوي أواصر المحبة والتوادد بين أفراد المجتمعات قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق).
فالشيخ
سعد بن محارب الذي هو بمنزلة الزميل - مع فارق العمر - لدى شيخنا العلامة سماحة
مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم موصوف باللطافة ولين الجانب محبوباً
في أسرته ومع زملائه ومعلميه..، وهذا من فضل الله وإنعامه عليه.
ولقد
ولد في حريملاء وعاش بها بين أهله واخوته، وقد كف بصره مُبكراً، وتلقى تعليمه في
إحدى الكتاب لتحفيظ القرآن الكريم، وكان سريع الحفظ، مع حضوره للدروس العلمية
وسماعه لقراءة بعض كتب المطولات التي تقرأ بحضور قاضي البلد - آنذاك - بالجامع
الكبير بحريملاء قبل صلاة العشاء وفي أوقات أخرى مما حبب إليه وشجعه على تلقي
العلوم النافعة بتوسع..، فلم ير بُداً من الشخوص إلى الرياض لينضم إلى حلق العلم
بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة الذي يعُج بطلبة العلم وبالمغتربين منهم الذين
يَفِدون من أنحاء نجد وغيرها من البلدان الأخرى لتلقي العلم على يد فضيلة الشيخ
عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ بعد صلاة الفجر مباشرة في الإعراب على متن
الأجرومية في مادة النحو، وبعد طلوع الشمس ينضمون إلى مجلس سماحة المفتي الشيخ
محمد بن إبراهيم - رحمهم الله جميعاً - في شرقي المسجد مع الطلبة الكبار، ثم
الانتقال معه إلى منزله الواقع شرقي المسجد بدخنة، فمسجد الشيخ بمنزلة الجامعة وقد
خرّج العديد من العلماء والقضاة والمرشدين نفع الله بهم في تلك الحقبة الزمنية
المباركة، وكأن لسان حال الشيخ سعد حينما سمع بإعجاب مشايخه وزملائه بفرط ذكائه
وسرعة حفظه أن يُعلمهم أن ذلك بتوفيق من الله معوضاً له عن فقد بصره متمثلاً بهذين
البيتين:
إن يأخذ الله من عيني نورهما *** فإن قلبي مضيء ما به ضرر
أرى بقلبي دنياي وآخرتي *** والقلب يدرك ما لا يدرك البصر
وحينما
أحسّ الشيخ محمد بنجابته وفقهه في المسائل القضائية رشحه قاضياً في بلد الأرطاوي -
كما هي عادته في توجيه من يأنس بكفاءته وتحمله مسؤولية القضاء وهذا هو ما يهدف
إليه جلالة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - لسد حاجات كل البلدان والهجر من
القضاة والمرشدين لتبصيرهم بأمور دينهم وترسيخ العقيدة الصحيحة في قلوبهم..، بعد
ذلك انتقل إلى الزلفي قاضياً، كما تولى الإمامة والخطابة في الجامع الشمالي - جامع
الملك عبدالعزيز - مع جلوسه للتدريس فيه وفي منزله، فأخذ عنه عدد من أهالي الزلفي
وقد نفع الله به ثم تولى القضاء في بلدة عرجا عام 1371هـ ثم انتقل إلى بلدة ساجر
عام 1375هـ وبقي بها حتى تقاعد عام 1383هـ وبعد
عودته إلى الرياض تولى إمامة مسجد في حي الحسّاني الواقع على مقربة من شارع
الشميسي القديم، وفي غرة محرم عام 1399هـ انتقل إلى الدار الباقية بعد حياة حافلة
بأعماله الجليلة تاركاً أثراً طيباً وذكراً حسناً.
وإنما
المرء حديث بعده *** فكن حديثاً حسناً لمن وعى
تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح
جناته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق