جزى
الله ذاك الوجه خير جزائه ** وحَيَّتْهُ عني الشمس في كل مطلع
من الناس من يهبه المولى حسن خلق
وسماحة محيا ولين عريكة مع الصغير والكبير وحسن تعامل مع الجار وغيره، فنرى القلوب
تميل إلى من يتحلى بتلك الصفات الحميدة لكثرة تحببه للناس، وإفشاء السلام على من
يعرفه ومن لا يعرفه، أخذا بقول سيد المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم:
(... ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم) فالابتسامة
وطلاقة المحيا، وإرخاء الحاجبين عند كل اللقاءات عند الجميع من مفاتيح القلوب،
وجلب الألفة بين بني الانسان، وهذه الصفات تتجلى في شخص سمح المحيا طيب القلب
عبدالعزيز بن إبراهيم بن سليم، المولود في حريملاء عام 1305هـ تقريبا الذي عاش
طفولته في أكنافها مرتع صباه، ثم درس بالكُتَّاب لتحفيظ القرآن الكريم وتعلم
القراءة والكتابة، ثم حفظ عدداً من الأجزاء عن ظهر قلب على والدنا العالم الزاهد
الشيخ عبدالرحمن بن محمد الخريف الذي يُعد مرجعا لطلاب العلم ولبعض قضاة حريملاء
في ذلك الزمن، وبعد ما ترعرع وكبر أخذ يسعى
لطلب المعيشة في البيع والشراء بجانب إمامته مسجد حي (قراشة) الأثري الذي
توالى على الإمامة به عدد من الأئمة الفضلاء تطوعا عبر مرور العقود الزمنية
المتتابعة، الذي كان ملتقى لطلاب العلم زمن رائد الحركة العلمية الشيخ الفاضل محمد
بن ناصر المبارك - تغمده المولى بواسع رحمته - وكان يجلس به الساعات الطوال يتلقى
على يديه أفواج من طلاب العلم بحريملاء ومن خارجها من البلدان المجاورة، ومن بعض
بلدان سدير والزلفي والقصيم، وحتى بعض الأفراد من بلاد فارس أمثال عبدالكريم وعبيدالله
لما يلقونه من غزارة في علمه وصفاء عقيدته، وتشجيع من المواطنين في تكريم الطلبة
المغتربين بتناول طعام الغداء والعشاء، رغم قلة المادة لديهم لأجل ترغيبهم وتوطينهم
احتسابا للأجر من رب العباد، مع بناء (جصتين) في جانبي المسجد لجباية التمر
ليقتاتوا منهما على مدى العام، فتملأ تمرا في مواسم نضج الثمار عند جذاذ النخيل،
حيث أصحاب الفلاحة يتقاطرون عليهما ليلا خشية من الرياء لملئهما من جيد التمور كل
ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى.
وكان ذاك المسجد يَعجُّ بطلاب العلم
فهو بمنزلة الجامعة - نفع الله به - وقد تخرج منه عدد من طلاب العلم والقضاة،
فوجههم جلالة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - إلى بعض أنحاء المملكة: قضاة ودعاة،
وأئمة في الأرياف والهجر.. ، وبالبلدان الكبرى مثل مدينة أبها وتربة والخرمة وبلاد
بللّسمر في الجانب الجنوبي، وفي جهة الشمال: الجوف وسكاكا – وشرقا "قرية
العليا" وفي كثير من بلدان المنطقة الشرقية والوسطى..، وحتى من بعض بلدان
الخليج تعاوناً من جلالته رحمه الله؛
فحريملاء "بوتقة" علم علماء وأمراء رغم صغرها – آنذاك – وقد سبق أن
تطرقنا إلى ذلك مراراً، ولكن الحديث في هذا الموضوع ذو شجون سحب القلم إلى الإسهاب
عن حياة وآثار الشيخ العالم الجليل محمد بن ناصر بن مبارك، وعن اهتمامات جلالة
الملك عبدالعزيز بمحاربة الجهل وتنوير أبناء شعبه بأمور دينهم – رحمهما الله رحمة
واسعة – وقد مكث "أبو ابراهيم بن سليم" إماماً لذلك المسجد المذكور - آنفاً
- بضع سنين وله صوت جميل تلذ له الأسماع أثناء تلاوته لكتاب الله الكريم، ولازال
ذاك الصوت الشجي المشرب بالخشوع كأنه يرنُّ في أذني رغم تقادم العهد..، ولا سيما
عندما أتلو بعض الآيات من سورة الأحقاف مثل الآية الكريمة: يا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .. الآية، ويعلم الله أني أردد
تلاوتها تلذذاً وتذكراً لأمامنا الحبيب الذي رحل عن الدنيا في عام 1375هـ، وهذا هو
شأني مع الأئمة أمثاله زمن صغري وطفولتي – تغمدهم المولى بواسع مغفرته – وكان يقضي
الساعات الطوال في تلاوة سور المفصل القصار حتى سورة الأحقاف على مسمع من والدي
العالم الجليل حتى حفظها عن ظهر قلب، وقد عاش كريماً محباً للأخيار والعلماء، وكان
هو وشقيقه عبدالله ضمن الجيران وأهل البلد الذين سعدنا بدخول مجالسهم أنا ورفيق
دربي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن محمد المبارك – متعه الله بالصحة والعافية –
بصحبة آبائنا: الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن مبارك، ووالدنا الشيخ عبدالرحمن – رحم
الله الجميع – ونَحْرصُ كل الحرص على حضور صلاة المغرب بالذات لأجل أن نسير معهما
إذا دُعيا للقهوة لنشرب كوباً من الحُلوِ، أي الشاي لندرته في ذلك الزمن، مع ما يحصل
من حليب وأقط أو أكلات شعبية..، فالعلماء يَحْضونَ بكل حب وتقدير لدى الأهالي..،
ومع ذلك لا ينسى -أبو ابراهيم -نصيبه من الدنيا، فقد فتح له (دكاناً) لبيع أصناف
من المواد مثل عيش القمح بنوعيه قبل توفر الأرز، وشيء من البن والهيل ولوازمهما، ليعتاش
عيشة كفاف هو وأسرته، وقد اشتهر بالصدق والاعتدال في أسعاره، وهذه من ذكريات الصغر الجميلة معه -رحمه الله – مردداً هذا
البيت:
قضيت
حياة ملؤها البر والتقى ** فأنت بأجر
المتقين جدير
رحم
الله (أبو ابراهيم) رحمة واسعة ، وقد خلف أبناً باراً الأستاذ إبراهيم أحد
المعلمين الأفاضل، وقد ألف كتاباً نفيساً ومرجعاً دقيقاً عن نشأة (الكُتّاب)
بحريملاء لكلا الجنسين لتعلم الكتابة وحفظ القرآن الكريم عبر العصور الفارطة، وفقه الله لمساعي الخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق