خالد
بن محمد بن صالح إلى دار الخلود ([1])
قال
علام الغيوب في محكم كتابه العزيز {وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ
تَمُوتُ} (الآية 34 من سورة
لقمان).
شاء
المولى أن يموت خالد وحيداً خارج بلاده بعيداً عن أهله ووطنه وهو مازال في ريعان
شبابه، ولكنها الأقدار تجري على الصغير والكبير، فقد قال الشاعر متعجباً ومتأثراً
في مثل هذا الشاب الذي عجلت عليه يد المنون:
لله
در الدافنيك عشية ** أما راعهم مثواك في القبر أمردا
مجاور
قوم لا تزاور بينهم ** ومن زارهم في دارهم زار هُمَّدا
بعد ما اطلعت على مقال الأستاذ خالد
الدلاك الكاتب المعروف الذي أضفى عليه أجمل الصفات، وعد شطراً من محاسنه وأفضاله
على من يؤمه محتاجاً، فهو بأسلوبه الصادق القوي يقود الحرون، ولست بحرون.. فقد كشف
للجميع عن مزايا صفاته الحميدة وعن حبه وتلذذه بالبذل سراً وعلناً في الأعمال
الخيرية والإحسان للضعفة والمحتاجين، ولا غرو فقد تخرج هو واخوته وشقيقاته من
مدرسة رجل الاحسان والدهم الشيخ محمد رحمه الله، فلم يسعني إزاء ما أشار إليه
الكاتب القدير من ثناء عاطر إلاّ أن أشارك بهذه الكلمة متواضعة الأسلوب داعياً له
بالمغفرة وصلاح عقبه، ولقد كان ملازماً لوالده الشيخ محمد منذ صغره وحتى في مجالسه
الخاصة والعامة، وهو صغير إخوته الثلاثة، فكل صغير مقرب من قلوب والديه وإخوته، فاستفاد من سيرة والده ومن سجاياه
المثالية، وما يدور في مجلسه من أحاديث العلماء والأدباء وعلية القوم؛ مما زاد في
ثقافته، واتساع مداركه مما سهل عليه عبور المراحل الدراسية الثلاث، وحصوله على
شهادة البكالوريوس من جامعة الملك سعود (قسم الإعلام) بمستوى عال، فلما توسم والده
فيه النجابة والاستعداد الفطري أشار عليه بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية
ليتزود من العلوم الحديثة هناك، ويحذق اللغة العالمية الأجنبية ليستفيد منها في
قابل أيامه، وفي تعامله مع الشركات ورجال الأعمال، فهو مهيأ لمزاولة الأعمال التجارية،
فبيت الشيخ محمد بن صالح بيت غنى وثراء وإلمام ببعض اللغات الأجنبية رجالاً ونساءً،
بل أنه يوجد من بينهم المتخصصات في اللغة الإنجليزية وآدابها، وكان الشيخ محمد يرحمه
الله في أسفاره التجارية أو الاستشفائية
يستعين ببعضهن ليترجمن له، فيستفيد منهن كثيراً، ولقد أجاد الشاعر حيث يقول:
بقدر
لغات المرء يكثر نفعه ** وتلك له عند الشدائد أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ** فكل لسان في الحقيقة إنسان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ** فكل لسان في الحقيقة إنسان
ففي
أثناء زيارتي لقصر والده أحرص على أن أكون على مقربة منه لأستشف عن مستواه الثقافي
بعد عودته من الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فلمست فيه اللطف والتواضع
الجم وبعد النظر، وثناؤه على الكثير من زملائه في دار الغربة، وأنهم يؤدون الشعائر
الدينية في أوقاتها، فالمسجد وأماكن العبادة تجمعهم على الخير والتواصل وتفقد
أحوالهم والاتصاف بالجد والمثابرة في التحصيل العلمي كي يعودوا إلى أوطانهم وقد
تسلحوا بسلاح العلم المفيد الذي يعود عليهم على أبناء شعبهم بالخير العميم، كما
أنهم يمثلون بلادهم في تلك الأصقاع النائية بالاستقامة وحسن التعامل والتعايش مع
زملائهم الأمريكان وغيرهم من الجاليات الأخرى، مما يعطي انطباعاً مشرفاً عن الأسرة
السعودية وعن ولاة الأمر بها يحفظهم الله ويرعاهم الذين يحرصون كل الحرص على إعداد
أبناء شعبهم إعداداً علمياً مواكباً عصر الحضارة والتقدم.
وبعد عودة الأستاذ خالد من رحلته
الدراسية حاملاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال من (جامعة بوسطن) بالولايات
المتحدة مع درجة الشرف، اشتغل مع والده في مؤسسة (درة الصالحية) في حياته، ثم
استمر بعد رحيل والده الشيخ محمد -مع إخوته واخواته -إلى أن توفاه الله، وقد صلى
عليه عقب صلاة عصر يوم الأربعاء 19 /11/1431هـ جموع غفيرة رجالاً ونساء بجامع
الملك خالد بأم الحمام بالرياض، وقد ضاق بالمصلين وساحاته راجين له المغفرة، ولقد
خيم الحزن على أسرته وعلى محبيه أسفاً على فراقه وبعده عنهم بعداً أبدياً، والعزاء
في ذلك أنه ترك سمعة طيبة وذكراً جميلاً لما يتصف به من أدب وسماحة خلق، وحب لبذل
الخير وإسداء المعروف لمستحقيه. تغمده الله بواسع رحمته وألهم ذويه ووالدته وإخوته
واخواته وزوجته وأبناءه ومحبيه الصبر والسلوان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق