الاثنين، 5 سبتمبر 2016

ورحل سمح المحيا الأخ الفاضل سليمان بن عبدالعزيز العريني

ورحل سمح المحيا الأخ الفاضل سليمان بن عبدالعزيز العريني ([1])

رأيت أخا الدنيا وان بات آمناً ** على سفر يسرى به وهو لا يدري
فبينما كان "أبو عبدالعزيز" يتحدث مع إحدى بُنياته بعد عودته من أحد المصحات مُغتبطاً لاطمئنان الأطباء على حالته الصحية، وأن الخطر قد زال عنه ، وذلك قُبيل صلاة يوم الجمعة 29/2/1437هـ فإذا بِبوادر الغيبوبة تُعاوده مرة أخرى ، وأن هادم اللذات شعوب يَسْتعجل خروج روحه من جسده الطاهر ليرحل عن الدنيا الى الدار الباقية ، مفارقاً لأسرته وأحبابه وقد انزعجت إحدى بناته البارة (نوف) الجالسة على مقربة منه إنزعاجاً شديداً وكأنما الدنيا قد استدارت بها من هَول مصيبتها فيه ، ثم أخذت تُلقنه النطق بالشهادة لفقهها وصلاحها ، ولعلمها أن من كان أخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة بإذن الله ، ولك أيها القارئ الكريم أن تتصور حالها المحزنة جداً وهي تكرر عليه بأن ينطق بالشهادة ودمعات عيناها تهميان حرقة ولوعة ، وكأنها تردد على مسمعه قول الشاعر الأستاذ محمد بن سليمان الشبل:
يوم الوداع وهل أبقيت في خلدي ** إلا الأسى في حنايا القلب يستعرُ
- كان الله في عونها وعون أسرتها ووالدتها -، وقد فاضت روحه الطاهرة يوم الجمعة 29/2/1437هـ، وأديت صلاة الميت عليه بعد صلاة ظهر يوم السبت 1/3/1437هـ بجامع الملك خالد ، ووري في ثرى مقبرة ام الحمام بالرياض – رحمه الله رحمة واسعة – فغطّت سماء منازلهم سحابة حزن بطيء سيرها، وكانت ولادته في حريملاء عام 1362هـ، فبادره اليتم منذ إطلاله على الدنيا بوفاة والدته ثم لحق بها والده الى الدار الآخرة – تغمد الله الجميع بواسع رحمته – فأخذت ربات البيوت يتسابقن في ارضاعه رحمة به ورجاء المثوبة من رب العالمين، ويعتبر أخ من الرضاعة لإبراهيم بن العم عبدالله بن ابراهيم الخريف - رحم الله الجميع -، ثم تولى رعايته في طفولته أحد أقاربه، وألحقه بإحدى مدارس الكتاب لحفظ القرآن الكريم بحريملاء، وكان يحضر مجالس الذكر بالمساجد وسماع قراءة المتون، وكتب المطولات التي تقرأ قبيل أداء الصلوات في مساجد حريملاء في تلك الأزمان الفارطة؛ مما كون لديه ثقافة ومعرفة في العلوم الشرعية وآدابها..، مع ما يسمعه من قصص هادفة مفيدة، وأخبار عن أحوال الماضيين، وما جرى فيها من أمثال وعبر كثيرة تثري حصيلة الإنسان الثقافية بصفة عامة..، وتقوي ملكة الحديث لدية حينما يتحدث. وكان أبو عبدالعزيز – رحمه الله – دمث الأخلاق لين العريكة عف اللسان منذ طفولته ومحبوب لدى محيطه الأسري ومعارفة، وعندما بلغ السادسة عشر من عمره أحس بحاجته الى بناء مستقبله ليعيش معتمداً على الله ثم على نفسه، حيث شعر بالوحدة والغربة في هذه الحياة بدون وجود والدية:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ** من لا يعول في الدينا على(أحد)
ثم شخص الى الرياض لطلب المعيشة رغم صغر سنه فألفى على العم الحبيب عبدالله بن إبراهيم الخريف أحد تجار الرياض سمح التعامل عطوف على الأيتام والمساكين – رحمه الله – وكانت تجارته بمنزلة المؤسسة كثيرة الفروع رحبة الجوانب..، ففرح بالشاب سليمان بن عبدالعزيز العريني حيث أنه أخ من الرضاعة لأبنه الأكبر إبراهيم، ولما توسم فيه ملامح الذكاء والاستقامة وحسن المنطق كلفه في بادئ الأمر بأعمال خفيفة كتجربة ليتحمل مسؤوليات أخرى، وأعتبره كأحد أبنائه في بيته، وما هي إلا سنوات قلائل حتى اسند إلية عدداً من الأعمال الإشرافية مثل مصنع الثلج والتبريد والتعقيب على تسديد بعض المبيعات، وتعتبر مؤسسة الخريف من الأوائل في جلب مضخات المياه العملاقة والصغيرة..، ثم عمل مديراً للحركة بالمؤسسة كما كان مسؤولاً عن العقارات في مجموعة الشركة، ومتابعة للشؤون القانونية التي تتعلق بها، وقد عرفت عنه المرونة في إدارة الأعمال المنوطة به، فهو محبوب لدى الأسرة ومحل الثقة لحسن تعامله وفهمه للأمور الخاصة والعامة، كما أنه سخياً يستعذب البذل في أوجه البر والإحسان باذلاً جاهه لمن يحتاج إلية من الضعفاء والمساكين في التوسط لدى الشركة في تسديد أجور بعض بيوت الأيتام والأرامل وغيرهم من المحتاجين العاجزين عن تسديد ما يطلب منهم..، وتزويد البعض بما يحتاجون إلية من مال وأطعمة وغيرها من مستلزمات الحياة، فشفاعته لا ترد أبدا: فخير الناس أنفعهم للناس، ولقد عاش حياته كلها لدى شركة ابناء العم عبدالله بن إبراهيم الخريف محترماً ومحبوباً لدى الجميع حتى توفاه الله، ولقد خلف ذرية صالحة بنين وبنات تجدد ذكره الحسن وتدعو له، ولئن توارى شخص – أبو عبدالعزيز – عنا وعن محبيه، فإن ذكره الحسن يظل خالداً طرياً مدى تعاقب الأجدّين.
ولقد أجاد الشعر حيث يقول:
وأحسن الحالات حال أمرئ ** تطيب بعد الموت أخباره
يفنى ويبقى ذكره بعـــــــده ** إذا خلت من شخصه داره
رحمه الله رحمة واسعة والهم ذويه وأبناءه وبناته وعقيلته أم عبدالعزيز ومحبيه الصبر والسلوان.


([1]) نشرت في صحيفة الجزيرة يوم الاحد 16 ربيع الأول 1437هـ، الموافق 27 ديسمبر 2015م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق