الاثنين، 5 سبتمبر 2016

رحم الله الصديق صالح بن عبدالله المبارك

رحم الله الصديق صالح بن عبدالله المبارك ([1])
وكل امرئ يوماً ملاقٍ حِمامهُ ** وإن دانت الدنيا وطال به العمرُ
الإنسان يسير في هذا الوجود في مناكب الأرض، وقد يشد الرحال إلى أماكن نائية في أطراف الأرض وحافاتها لطلب الرزق أو للسياحة، وإرواء غلة النفس وإمتاع ناظريه بما تشاهدانه من عوالم ومناظر كونية يقتات بتذكرها في خلواته، وهذا ضرب من إعطاء النفس حظها ونصيبها مما يلذ لها.. كقول الشاعر المتنبي:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ** فمفترِقٌ جارانِ دارهُما العمرُ
ولا يتسنى ذلك لكل الفئات البشرية، بل يكتفي بالتنقل داخل الوطن وفي جوانبه، فهذا هو شأن الأخ الصديق - أبو خالد - صالح بن عبدالله بن إبراهيم المبارك - رحمه الله - الذي ولد واستهل صارخاً بمكة المكرمة على مقربة من رحاب بيت الله الحرام (بمحلة القرارة) في أطراف الخمسينيات..، حيث كانت أسرته تقيم بها بحكم عمل والده بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تشرف والده بالعمل بالقرب من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بالحجاز - آنذاك - (جلالة الملك فيصل، رحمه الله)، وعندما بلغ السابعة من عمره ألحقه والده بإحدى الكتاب لتحفيظ القرآن الكريم، ثم واصل الدراسة النظامية حتى حصل على شهادات أهلته للعمل بوزارة الدفاع، واستمر في مزاولة ذاك العمل المشرف بكل حيوية ونشاط وتعاون مع زملائه حتى تقاعد تقاعداً مبكراً، ثم تفرغ لمزاولة أعماله الحرة، كما كان يحضر بعض الدروس التي تلقى في أروقة المسجد الحرام لسماع دروس بعض العلماء الأجلاء من العلوم المفيدة التي استنار بها في حياته، وكان باراً بوالديه يتنقل معهما ما بين مكة والطائف ولاسيما في مواسم الصيف، وكنت أثناء الإجازات الصيفية أحل عليهم ضيفاً بحكم أن والدتهم بمنزلة العمة لي، فهي من فضليات النساء ومن أسرة آل خريف. ومن ذكرياتي الجميلة معه أثناء الحضور إلى مكة المكرمة فأننا نذهب سوياً، ونتجول في حلقة مبيع الفواكه والخضار الواقعة على مقربة من منزلهم قرب طلعة الفلق، ثم يشتري بعض الفواكه كالرمان الطائفي وعنبه المميز.. ، ثم نذهب إلى منزلهم فيقدمه لنا في طبق شهي، كما لا ننسى قيامنا بالجولات في بعض جوانب الطائف ممتطين لدراجات التي تستأجر من الأخ سعد (أبو خبر) المتخصص بإصلاح وتأجير الدراجات على الطلاب والشباب (بحي قروي) الذي أصبح الآن من كبار العقاريين بنفس منطقة الطائف، فنجد في تلك الجولات متعة جميلة من متع ساعات الشباب، وقد ينظم إلينا الزميل الراحل سعود بن محمد المسعري - رحمه الله - وقد نتسابق أحياناً في ذلك المضمار..، وبعدما تقاعد والده استقر بالطائف في منزله الذي شيَّده بمحلة القطبية شرقي الشارع العام، فاستمر التواصل والتزاور معهم حتى توفاهم الله - رحمهم الله جميعاً -، وقد انتقل أبو خالد  إلى الرياض في السنوات الأخيرة من حياته بناء على رغبة وإلحاح من شقيقته الأخت الفاضلة هيا - رحمها الله - ليكون على مقربة منها ومن أبنائه الكبار، حيث عمّدت أبنائها لتهيئة مسكن فخم مريح له بدافع صلة الرحم، وكأنها قد سمعت قول الشاعر الأستاذ أحمد اللهيب حيث يقول:
وأعجز الناس في دنياه مقتدر ** لم يصنع العرف في أهل وخلان
وقد تم لها ذلك البر بشقيقها الوحيد، وهو سجية حسنة من سجاياها، بحمد الله وتوفيقه لتسعد برؤيته عن قرب، كما أنه محل اهتمام وتقدير من أبناءها البررة: أبناء العم الراحل عبدالله بن إبراهيم الخريف - رحمه الله رحمة واسعة - فهو خالهم، ولا يستغرب منهم ذلك البر المتواصل به وبأبنائه، مع تأمين ما يحتاجه من مادة، ومن خدمات مستمرة مجاوراً لمساكنهم بالرياض، ولكن سرور الدنيا لا يدوم أبداً فقد فرقهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، وهذه سنة الله في خلقه، فظل محل حفاوتهم حتى توفاه الله يوم الثلاثاء 6/4/1433هـ، وصلي عليه بجامع الملك خالد بأم الحمام ، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه وأبناءه وبناته وعقيلته ومحبيه الصبر والسلوان.



([1]) أرسلت للنشر في صحيفة الجزيرة يوم الأحد 11 ربيع الآخرة 1433هـ، الموافق 5 مارس 2012م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق