الاثنين، 5 سبتمبر 2016

الشيخ الأديب راوية سدير/ محمد اليحيى في ذاكرة الزمن

الشيخ الأديب راوية سدير/ محمد اليحيى في ذاكرة الزمن ([1])
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ** حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
جُبِل الإنسان على حب التطلع والتعرف على أشياء كثيرة سواء رؤية بعض الأماكن التي لم تطأها قدماه على اختلاف أبعادها ومسافاتها للنزهة وإمتاع عينيه بما يمر بهما، أو لطلب الرزق والتجارة، وإما للتعرف على مشاهير الرجال من علماء وأدباء، ومن لهم دور ريادي في العلم النافع وحفظ التاريخ وما يجري فيه من وقائع وأحداث...، ومن الصدفة المباركة أن ذكر لنا أن الأديب راوية سدير بل الراوي عموماً الشيخ المؤرخ محمد بن عبدالرحمن اليحيى (أبو عبدالله) رحمه الله عند أنسابه أسرة آل دعيلج ببلد القرينة الواقعة في محافظة حريملاء، وكنت متشوقاً إلى رؤيته والحديث معه، فلم أر بداً من الذهاب إلى المنزل الذي هو فيه، أنا والشيخ الأستاذ عبدالرحمن بن إبراهيم المشعل والأستاذ ناصر بن محمد المشعل بعد صلاة مغرب يوم السبت 8/12/1413هـ، وكان في استقبالنا شقيق زوجة الشيخ محمد... الأخ الفاضل عبدالرحمن بن مبارك الدعيلج (أبو مبارك) الذي توفي لاحقاً رحمه الله، فقام بتعريفنا على الشيخ الأديب، فأعجبنا بمنطقه العذب وطول باعه في روايات الأحداث والوقائع الحربية التي جرت بين جلالة الملك عبدالعزيز وخصومه، فأسفرت بانتصاراته المتعددة -رحمه الله-، فاستأذنا منه لتسجيل ما تيسر عن سيرته وما مر به من أهوال وأحداث ومتاعب جمة، فأفاد أنه ولد عام 1330هـ بحوطة سدير، ونشأ وترعرع في كنف والده، وكان والده رحمه الله يتميز بالكرم والشجاعة، ومساعدة الفقير والضعيف مع ما كان في ذلك الوقت من شظف العيش وقلة المادة، وقد اكتسب منه الصفات النبيلة والأخلاق الحميدة، والتمسك بأهداب الشريعة السمحة، ولما نظر إلى حال والده لقلة المادة لديه واستمراره في العطف على المحتاجين والمساكين عَزّ عليه أن يبقى عنده، فأخذ يفكر في طريقة لاكتساب المال ليعز نفسه رغم حداثة سنة، وليمد والده بما يقدر عليه ما دام بابه مفتوحاً لمن يؤمه من ضيوف وغيرهم...، فلم ير بداً من السفر صوب الكويت بصحبة إحدى القوافل مشياً على قدميه، وكأنه قد سمع بقول الشاعر الذي يحث على طلب المعيشة في أي جانب من الأرض:
نَقِّل ركابك عن ربع ظمئت به ** إلى الجناب الذي يهمي به المطر
فألفى على عمه حمد نزيل الكويت، فاستقبله استقبالاً أبويا ورحب به، وأجلسه لديه، وعدَّه من أبنائه.. ثم ظل يتنقل من بيته إلى بيوت عماته وبنات عمه المقيمات هناك، مما خفف عنه وحشة الغربة وفراق الأهل لما يلقاه من حفاوة ورعاية تامة..، مما شجعه على أخذ مبادئ في العلم على عمه، وقراءة القرآن الكريم على المقرئ محمد ملا مطوع ساير، أما الكتابة وتعلم الخط فلدى السيد هاشم، ثم حفظ القرآن الكريم على نفسه عن ظهر قلب، بعد ذلك التحق بالمدرسة الأحمدية المشهورة بالكويت في ذلك الزمن، فأخذ يزاول بعض الأعمال الحرفية والعمل لدى التجار، فنمت لديه المادة شيئاً فشيئاً، ثم رحل إلى الزبير والبصرة إحدى مدن العراق، والتقى ببعض العلماء، وأخذ عنهم خاصة في التاريخ والنسب والشعر، وظل في تلك الفترة بضع سنين يتنقل من بلد إلى آخر للأخذ بأسباب المعيشة مع تلقي العلم في أوقات فراغه، وقد جمع بين الحسنيين، وهذا يدل على علو همته ورجاحة عقلة والاستفادة من شبابه ووقته، كما رحل إلى البحرين والتقى بالشيخ محمد بن عيسى آل خليفة، وكتب بخط يده تاريخ الخليفة في البحرين، وقد رصد الكثير من الجوانب التاريخية وعلم النسب والشعر، فكان مرجعاً من مراجع الخليج في هذا الفن، كما فتح دكاناً للبيع والشراء لمدة عام ونصف برأس مال يقدر بــ 1200 ربيه، ثم استبد به الحنين إلى رؤية والدته التي طال غيابه عنها مدة سبع سنوات - بل إنه أعقبها بسبع أخرى فيما بعد..! -حافلة بالمتاعب والكفاح، فسار على بركة الله مُيمماً مهوى رأسه (حوطة سدير) هو وبعض الرفاق ومعه جملان مُحَمّلان بأنواع البضائع والهدايا لأهله وذويه يحدوه الأمل والفرح بلقيا والدته..، وفي أثناء طريقهم في مكان يقال له (البشوك) اعترضهم عدد من اللصوص قطاع الطرق، فاستولوا على جميع ما معهم من مال ومطايا بأحمالها، ودارت بينهم معركة دامية، قُتِل واحد منهم، وكسرت يد آخر، فأصبحوا في حالة يرثى لها، وذلك قبل استتباب الأمن في ربوع المملكة، ويقول الشيخ الأديب محمد: أخذ كل واحد منا بعد ذلك يعمل في بعض هجر البادية في بناء حجر وأحواش للأغنام بالطين واللبن حتى مكسُور اليد يناوله (أي إستاد) الطين بيد واحدة لشدة حاجتهم للمادة، فأخذ الشيخ طريقه عبر بلدان سدير إلى بلد (حرمه)، وعمل لدى فلاح لمدة خمسة أشهر في السواني لسقيا النخيل، بعد ذلك عاد إلى الكويت مرة ثانية، ولم تمكنه نفسه من المرور على بلده رغم محاذاتها وقربها التي تقيم فيها والدته، وقد عزّ عليه أن يقبل على والدته وهو خالي اليدين من المال، ولك أن تتصور حاله في تلك اللحظات وما يعتمل في خاطره وفي نفسه من تحسر وتأوهات وهو ينظر إلى مشارف بلده، واستمر في طريقه لاوياً عنقه نحوها ومحاجر عينيه تجود بدمعات حرى، حتى اختفت عن ناظريه تلك الديار، ولسان حاله يردد قول الشريف الرضي:
وتلفتت عيني فمنذ خفيت ** عني الديار تلفت القلب
وقول الصمة القشيري :
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ** وجعت من الإصغاء ليتاً واخدعا
وقول الآخر:
وأشد ما ألقاه من ألم النوى   **  قرب الحبيب وما إليه وصول
فالشيخ رجل عصامي اشتغل في كثير من الحرف وركوب الأهوال مثل الغوص في أعماق البحار ليحصل على ما في قيعانها من اللآلئ والدرر الثمينة، مع ما في ذلك من مخاوف وأخطار جسام، ويذكر لنا في شريط المقابلة معه أنه قد طبع (أي غرق) بهم أحد المراكب، وغاص في أعماق البحار، فظلوا طوال الليل يسبحون ويصارعون الأمواج المتلاطمة حتى وصلوا إلى الشاطئ..، فحمدوا المولى على سلامتهم، كما ركب السفن الصغيرة المتجهة نحو الهند، وعمل بحاراً في ديوان الصقر بالكويت، يمرخ بالمردي (يجدف) على متون تلك المراكب، وهو تجديف الماء ليحسن جريان القارب أو السفينة إذا سكنت الرياح، حتى أن أكفهم تدمي من كثرة التجديف، وكل ذلك بأجرة زهيدة وقليلة من (الروبيات)، فكل حياته تعب وكفاح، واغتراب وأسفار رغم بعدها، وهذا يذكرنا بقول شاعر يمدح أمثاله:
في سفر عمرك مكتوب لك السفر **  في الهند والسند (من آثاركم أثر)
 أما آثاره العلمية وأعماله، فقد تولى - رحمه الله - الكثير من المهام والأعمال بعد عودته من الكويت ومن رحلاته الطويلة في كثير من الأقطار التي بلغت أربعة عشر عاماً، صال فيها وجال، فمن الأعمال التي تولاها: التدريس في حي ثليم بالرياض، والوعظ والإرشاد بسجن المصمك، وكتابة الضبط بالمحكمة الكبرى بالرياض، وأخيراً كاتب في هيئة التمييز حتى تقاعد، وكان إماما عند صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالعزيز -حفظه المولى- فمن بالغ حب الشيخ لسمو الأمير - أبي منصور - أن وعده بجميع مخطوطاته الثمينة بعد رحيله عن الدنيا، وفعلا عندما علم سموه عن وفاته وهو في الولايات المتحدة الأمريكية تأثر كثيراً، فاتصل على أبنائه معزيا، وقائلاً: ابقوا المخطوطات، ولا تفرّطوا فيها حتى أحضر، فالأمير يحفظه الله معني بكل ما يفيد من كتب الأدب والتراث ذات الأهمية، وأما آثار الشيخ الراحل فهي كثيرة، منها: مختصر قصص الانبياء ومعجزة الأتقياء، الترسيمات السديدة في اختيار التاريخ المفيد، والفوائد من اخبار القصائد ولباب الأفكار في غرائب الاشعار، ومخزون الفوائد في غرائب القصائد (خمسة أجزاء) تحتوي على أكثر من خمسة آلاف صفحة، كما جمع شتات الكثير من قصائد بعض مشاهير الشعراء القدامى في الشعر النبطي بخط جميل بيده، كل شعر في كتاب مستقل.. وكل ما ذكر جمع وترتيب الشيخ محمد (أبي عبدالله) غفر الله له.
وما من كاتب إلا سيبلى ** ويبقي الدهر ما كتبت يداه 
فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه
 ولقد استقيت هذه الكلمة الموجزة المختصرة عن سيرته العطرة من شريط المقابلة معه، وبعض المعلومات عن طريق نجله الأكبر الأستاذ الفاضل عبدالله، وكانت وفاته يوم الأربعاء 24-5-1414هـ، ولو أرخينا العنان للقلم لطال الموضوع، تغمده المولى بواسع رحمته ومغفرته.



([1]) نشرت في صحيفة الجزيرة يوم الأحد 22 جمادى الأولى 1435هـ، الموافق 23 مارس 2014م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق