وكلُّ امرئ يوماً سيلقى
حمامه ** وإن نأت الدعوى وطال به العمر
الإنسان عندما يهمُّ برصد شيء عن سيرة
بعض الأشخاص الذين لهم مكانة في مجتمعهم أو دور بارز في الحياة كالعلماء والأدباء
أو من الرجال الذين تفانوا في خدمة دولهم وأخلصوا في حب وطنهم وأهله والذود عن
حياضه أن يكدر إذا لزم الأمر فإنه يحتار كيف يبدأ.. فمن أولئك الرجال المخلصين على
سبيل المثال الشيخ الفاضل محمد بن عبدالعزيز بن محمد الحصان - أحد المعمرين - الذي
قضى زهرة شبابه وعمره مُعاصراً وملازماً ملوك وأمراء هذا الوطن، بدءاً من الإمام
عبدالرحمن الفيصل والد الملك عبدالعزيز رحمها الله. فقد ظل مصاحباً وملازماً لصاحب
السمو الملكي محمد بن عبدالرحمن الفيصل، أخو الملك عبدالعزيز في قصره بحي
"عتيقه" وفي كثير من رحلاته وأسفاره، وقبل ذلك أخوه الشيخ الوجيه عبدالله
الحصان المحبوب لدى الملك عبدالعزيز وإخوته، وكبار أنجاله الكرام، لما يتمتع به من
حنكه وطول باع في معرفة الأنساب ولهجات القبائل، وإيراد القصص والقصائد الهادفة
التي تؤنس وتبعث في النفوس الشجاعة وقوة الإرادة، فهو رجل وجيه ومتحدث متميز قوي
الملكة، يشد السامعين بحلو منطقه وصدق حديثه، ومن بالغ حب الأمير محمد له ولأسرة
الحصان أن لبى دعوته لزيارته في نخله بحريملاء، فحضر في موكب يقدر بثلاث سيارات أو
أربع صغيرات، وتعد من أوائل السيارات التي شهدتها حريملاء منذ ما يقارب ثمانين
عاماً..، رغم وعورة الطريق وضيق المسالك داخل البلد.. ولكنه الوفاء من سموه، رحم
الله الجميع. وعوداً إلى الحديث عن أبي عبدالعزيز بعد الإيماءة الخفيفة عن أخيه
الأكبر لعلو مكانته لدى ولاة الأمر - آنذاك - المعروف لدى العوام بحريملاء لتمييزه
وشهرته "بحصان الشيوخ"، ومعلوم أن أخاه محمد لا يقلّ أهمية ومحبة عند
ولاة والأمر، فهما كفرسي رهان، ويعد من المعمرين الذين عبروا "الهنيدة"
مع تسع سنوات فوقها بكامل صحته وسلامة حواسه الذهنية والفكرية.
وقد
ولد في حريملاء عام 1307هـ قبل فتح الرياض بـ 12 عاماً، ومصداق ذلك قوله: كنت في
محلة "قراشة" بحريملاء مرتع طفولتي وصباي، فسمعت المنادي يعلن عن فتح
الرياض 1319هـ، يقول الملك لله ثم للملك عبدالعزيز، فاستبشر الأهالي بذلك،
واطمأنوا داعين له بدوام النصر والتوفيق..، وبعد ذلك بفترة وجيزة انضم محمد للجهاد
مع الملك عبدالعزيز وعمره 19 عاماً، فأصيبت رجله اليمنى بإصابتين في إحدى المعارك
التي استمرت تسعة شهور بين العيون والمبرز بالأحساء، انتهت لصالح الملك عبدالعزيز -
طيب الله ثراه - ثم انضم للأمير عبدالله بن جلوي ولازمه أكثر من 25 سنة في
الأحساء. وقد وصف الأمير بقوة الشخصية والحزم، وكان مهاباً لدى الجميع - رحمه الله
- وبعد رجوعه من الأحساء إلى بلدة حريملاء هَمّ بالحج مع مجموعة من الأهالي، وفي
أثناء الطريق التقى مع الأمير محمد بن عبدالرحمن في الدوادمي، حيث كان يرافق والده
الإمام عبدالرحمن في أول سفرة للحج على سيارة، وكان أخوه الأكبر عبدالله مع الأمير
محمد، فطلب منه العمل لدى الأمير محمد بن عبدالرحمن فوافق، ومكث معه في مكة
المكرمة مدة أربعة أشهر والأمير بجانب والده الإمام..، بعد ذلك رجع إلى قصره بحي
"عتيقه بالرياض"، فتمسك به الأمير، وظل مرافقاً له ومصاحباً له في
سيارته عندما يذهب إلى والده أو إلى جلالة الملك عبدالعزيز حتى توفي - رحمه الله -
ثم انتقل مع ابنه الأمير فهد الذي عين أميراً لمنطقة القصيم فترة من الزمن، وبعد
وفاته - تغمده المولى بواسع رحمته -عاد أبو عبدالعزيز إلى مهوى رأسه بحريملاء
مترحماً عليهم جميعاً، وحاملاً معه أجمل الذكريات وأحلاها في نفسه بصحبة الإمام
ومرافقة سمو الأمير محمد وابنه فهد - رحم الله الجميع - وقد تطرق في الحديث الذي
أجراه معه الأستاذ الأديب محمد الوعيل عبر منبر صحيفة الجزيرة في موضوعه القديم
الناجح "ضيف الجزيرة" في يوم الجمعة 8 ذي القعدة عام 1410هـ الذي أبحرنا
فيه لالتقاط بعض النصوص التي لا مناص لنا من ذكرها في أثناء الحديث الذي ذكر فيه
ما مر بنجد في تلك الحقب البعيدة من جفاف وقحط وفقر هلكت على إثره البهائم
والمواشي حتي الحيوانات التي تستخدم لنزح الماء من الآبار لسقي النخيل والمزارع..،
وذلك في "سنة (عجيجان) المشهورة، وكانوا يفرحون بنزول المطر، وإذا نبت العشب
خرجوا إلى البراري ليتغذوا بأنواع النباتات وأوراق الشجر، حتى إن البعض منهم نزحوا
إلى أطراف العراق وإلى بلدان الخليج العربي مثل البحرين وغيرها كأسرة القصيبي
والعجاجي والزهير وآل راشد وغيرهم لطلب المعيشة في تلك الجهات النائية، وبعدما
أنعم الله على هذه البلاد بالأمن التام ورخاء العيش، وتدفق ينابيع البترول تذكروا
أوطانهم، فحنوا إليها، فعادوا إلى أماكنهم:
المرء يسرح في الآفاق مغترباً ** ونفسه أبداً تتوق للوطن
وقول الآخر:
ما من غريب وإن أبدى تجلده ** إلا تذكر عند الغربة الوطنَ
فحياة أبي عبدالعزيز كلها كفاح وإخلاص
في خدمة وطنه وأهله بمرافقة ولاة أمر هذا الوطن، كما كان من الأوائل الذين ذهبوا
إلى الرئيس العام لتعليم البنات مطالبين بفتح أول مدرسة للبنات في حريملاء وغيرها
من المشاريع المهمة. ولنا معه بعض الذكريات الجميلة أثناء إقامته في حريملاء
ومروره علينا في إدارة المتوسطة والثانوية وسؤاله عن مستوى نجله فهد أحد طلاب
المدرسة لدينا، وقص ما يجري في تلك الحقب من أحداث وأخبار عن انتصارات وغزوات
جلالة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه -، ومع من سعد بصحبته من الأمراء ورجالات
الدولة البارزين، فذاكرته مستودع لأخبار وذكريات طويلة استفدنا منها كثيراً، وقد
توفي في 16/4/1412هـ بعد عمر بلغ 109 سنوات - رحمه الله - مخلفاً ذرية صالحة بنين
وبنات، وقد تسنم الأبناء مناصب مشرفة في مواقع مختلفة. وهذه الكلمة الموجزة التي
أوردناها كإضاءة مشرقة ومشرفة عن سيرته العطرة التي قضاها في خدمة دينه ووطنه، تغمده
المولى بواسع رحمته ومغفرته.
وإنما المرء حديث بعده ** فكن حديثاً حسناً لمن وعى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق