الاثنين، 5 سبتمبر 2016

مقدمة الجزء الرابع

مقدمة الجزء الرابع

نبكي على الدنيا وما من معشر** جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

الحمد لله والثناء لوجه الكريم، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين نبينا محمد بن عبدالله وصحبه الكرام، أما بعد فهذه الكلمة الوجيزة مقدمة لكتابنا الجزء الرابع "فقد ورثاء" الذي يضم بين دفتيه عدداً من مشاعر التأبين والرثاء، تقارب السبعين مرثية متضمنة التنويه بمآثر ومحاسن من غابوا من آباء وأبناء وأقارب وزملاء ومعارف كثر أودعوا باطن الأرض رجالاً ونساء، فانقطع التواصل بيننا وبينهم، وساد السكون والوحشة مساكنهم:
أناديهمُ والأرض بيني وبينهم ** ولو سمعوا صوتي أجابوا فأسرعوا
ومعلوم أن أبواب الرثاء لها الصدارة  بين أغراض الشعر المتعددة للإجماع على تأثيره للنفوس؛ لأنه يصدر من الأعماق ومن عصارات المهج والقلوب، فتفوح به قرائح الشعراء المكلومين بفقد غاليهم من آباء وأبناء وإخوة وزوجات، وأحبة، وغير هؤلاء ممن يعزّ على النفوس فراقهم، فهادم اللذات ومفرق الجماعات هو المحرك الأقوى لما تجيش به نفوس الشعراء، فتخال حرارته تُلامس جوانب القلب، فهو أصدق تعبيراً وتفجعاً على فقد غائب لا يرجى إيابه..
كم من جميع أشت الدهر شملهم ** وكل شمل جميعِ سوف ينتثر
كما أن الديار والمدن والفلوات رحبة الجوانب لها النصيب الأوفر من الرثاء والتغني بها وبكاء الأطلال، وذكر من أقاموا بها أحقابا من السنين، ثم أبادتهم صروف الدهر وكأنهم لم يعمروها، ولم يسيروا في نواحيها..
وطال ما عمروا دار لتحصنهم ** ففارقوا الدور والأهلين وارتحلوا
أضحت منازلهم قفراً معطلة ** وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
وهكذا الدنيا نزول وارتحال، إلى قيام الساعة..
وموضوع كتابنا هذا يكاد يكون واحداً في مسماه، إلا أن محتواه يضم رثاءً لقريب أو عالم جليل أو صديق، فإنً فقد مثل أولئك محزن ووقعه على القلوب موجع جداً، وقد يطول مكثه في النفوس وبين الجوانح زمناً طويلاً:
وكل مصيبات الزمان وجدتها** سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
فالقارئ الكريم يدرك أثناء تصفحه ما كتب عن كل راحل من تشابه وتكرارِ في بعض العبارات والشواهد الشعرية لاشتراكهم في الصفات الحميدة وفي الأعمال الجليلة... التي لا مناص للكاتب من ذكرها لتطابقها في سير الكثير من أولئك الراحلين، وما تركوه من آثار طيبة تخلّد ذكرهم ويحفظها التاريخ لهم على تعاقب الملوين (الليل والنهار). والواقع أن الجزء الأول الذي صدر في عام 1431هـ  وما تبعه من إصدار للجزئين الثاني والثالث قد كان لها صدى مؤثر في نفوس الكثير، كما يطيب لي تضمين هذا الجزء بالمقدمة التي أفاض بها قلم معالي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر (رحمه الله) في صدر الأجزاء الأول والثاني والثالث ـ  ونرى أن جميع ما كتبناه من كلمات التأبين والمراثي ضرب من الوفاء والحزن على غيابهم عنّا،  وقد رغب  بعض الأحبة اختتام هذا الكتاب بالكلمة الضافية التي نشرها سعادة أخي وصديقي الغالي الدكتور/عبدالله بن محمد الزيد (مدير عام التعليم في المنطقة الغربية سابقًا) الذي سعدت بمعرفته عندما كنا طلاب بدار التوحيد بالطائف منذ بداية عام 1371هـ ، مقدراً له فيض مشاعره نحونا وإن كانت حافلة بالمبالغة والإطراء ـ هداه الله وأصلح عقبة.. إضافة إلى ملحق يتضمن نسخ من الخطابات التي افاض بها عدد الأخوة الكرام حول ما نشر من الأجزاء الأولى من هذا الكتاب، وعذراً لمن يسرح طرفه بين صفحات هذا الكتاب إن وجد تقصيراً وكل مصنف لا يخلو من بعض الأخطاء والتقصير.
إن تجد عيباً فسد الخللا ** جلّ من لا عيب فيه وعلا


المؤلف 

تقديم: بقلم معالي الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الخويطر (رحمه الله)

تقديم
بقلم معالي الدكتور
عبد العزيز بن عبد الله الخويطر (رحمه الله)
سعدت كثيراً عندما أطلعني الأخ العزيز الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف بأنه قد جمع كلماته التي كان كتبها رثاءً في بعض من يقدرهم، وشعر بفقده لهم، أو بفقد الوطن لهم، وهو نهج حمدته، وأحمد من أي أحد أن يتبعه، وهذا النهج هو جمع كلمات كتبها صاحبها متناثرة في الصحف في أزمان مختلفة، ولكنه ينظمها عقد واحد في طبيعتها، فهي في الواقع أسرة واحدة، وهي وإن اقتضت طبيعتها أن تبدأ متفرقة، فجمع شملها في شملة واحدة حُسن وجمال، وفائدة ومنفعة.
ولطالما دعوت إلى جمع شمل المقالات المتفرقة، وسكبت كل ما في ذهني من وسائل الإقناع، وبدأت بنفسي، فجمعت ما كان مفرقاً، ورتبته، وبوبته، وأعطيت كل قسم اسماً ينفرد به، ويعرف به، ويتسم بما فيه من طبيعة، وكان من أول  تنفيذ لهذا النهج هو كتابي "دمعة حرى" جمعت فيه الدموع التي سكبتها حبراً على الورق في يوم من الأيام.
الأخ العزيز الأستاذ عبدالعزيز رجل مؤهل علمياً، وقد أنعم الله عليه بعشق الكتاب، والهيام بالمكتبات، ومعارض الكتب، فلا تراه إلا متأبطاً خيراً كثيراً منها، يقرأ كثيراً، ويهدي كثيراً، حتى لا يكاد أحدنا يحلف أن ما يصرفه من مرتبه على بيته هو ما يبقى من ميزانية الكتب، لا يزور أحداً إلا وفي يده كتاب مختار، ولا يسير إلا ومخزن سيارته يئن من ثقل الكتب التي جمعها في رحلة يومية من مكتبة إلى مكتبة.
ثقافة أبي محمد - حفظه الله - تطل عليك فيما يكتب، يتضح هذا في استشهاده، ويتبين في تطعيم أقواله بالحكم والأمثال، وما يشعل من قناديل يبرهن بأقوال السابقين على نحو يريد - وقد ارتضاه - أن يضعه على عتبة سوق الأفكار. أبو محمد رجل عرف بحبه للخير، وسعيه في جلب البسمة إلى الشفاه، خاصة في عمله الإداري، المتصل بأشرف مهنة وهي التعليم، والإدارة المتقنة فيه، لقد كان من أبرز رجال التعليم الذين قاموا بأكثر من واجبهم؛ لأن طبيعته لا تسمح له أن يقف عند المعتاد مما هو متوقع ومطلوب، بل يتعدى هذه الحدود، ويفيض إلى رياض غناء من الخدمة المتقنة. وهذه الروح الخيرة، التي كانت علامتها الابتسامة الدائمة ووسمها حب الخير، وإدخال الفرحة إلى القلوب، هذا ديدنه مع الأحياء الذين أحبهم وأحب لهم الخير، ولم يترك من لقي وجه ربه، بل أتبعه بدمع غزير، كان فيه سلوة لذوي المتوفى، واستمطار للرحمة والمغفرة للفقيد، كان يبادر إلى الرثاء لمن يعز عليه، أو منه فقد كبير للوطن، يبين حسناته ويوضح أعماله، ويعد خصال الخير، ليُري مدى الفقد فيمن فُقد، ومدى الفادحة التي حلت بالأحباب والأصحاب مع الأهل والأقرباء.
كثيرون أولئك الذين رثاهم؛ لأن الذين أحبهم وأحبوه وفقدهم كثيرون. كان من أول المبادرين بالرثاء، لا يفوته الواجب في هذا الأمر، ويشعر القارئ، وهو يقرأ الرثاء بالحرقة المتأججة في صدره، فهو لا يتكلف، وهو صدوق، وليس هناك ما يدعوه إلى الرثاء إلا الشعور العميق بفقد غال.
يشعره لحبه الشعر، وتعلقه به، أن الشعر خير ما يعبر عن عمق العاطفة، فهو يستشهد به ليعضد شعوره. هولا يلجأ إلى الكتب ليقتبس منها، فالشعر من محفوظه، تلحظ هذا في أحاديثه، واستشهاده بالأبيات اللائقة، وحسن اختياره لها، إيماناً -كما قلت-بأن الشعر أقوى مؤثر وأصدق تعبير في كثير من مواقع طرق باب النفس، وعمق الشعور وضمان التأثير، الكفيل بالحصول على النتيجة المبتغاة والهدف المقصود.
كل مقالة في هذا الكتاب القيم تحتاج إلى وقفة تمعن، وتستحق وقفة تقدير واحترام، فهي ملأى  بشعور لا يفتر، وإحساس يبقى دافئاً، والرثاء يتوقف على معرفة ما هو مضيء في حياة المرثي، مما يجعل من يقرأ الرثاء ممن لا يعرف المتوفى يتمنى أنه يعرفه، لما يحسه من حرارة الدمع المتحدرة بانتظام على الخدين من جراء حسن التعبير، وسلاسة القول.
هذه باكورة الكتب عند الأخ العزيز أبي محمد، ولكنها ليست باكورته فيما أشاعه من أفكار قيمة ظهرت في الصحف والمجلات وكشفت عن عقل نير، ونبرة حسنة، وعزم صادق، ونرجو أن تجد منه الحنو عليها بجمعها، ولم شمل شتاتها حتى نراها آخذة مكانها الرحب بين أخواتها على رف المكتبة السعودية لتضيء، مع ما هو مضيء، ولتؤرخ لفكر هذه الحقبة، وتاريخ الفكر لا يأتي صادقاً وحقيقياً، وممثلاً للواقع إلا بمثل هذا المجهود من أفراد إذا تعددوا أصبحوا جيش حضارة ينطق عن زمانه بلسان الحق.
ندعو لأبي محمد بالصحة والتوفيق, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عبد العزيز الخويطر

17/8/1430هـ

إلى جنة الخلد يا خادم الحرمين الشريفين

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جنة الخلد يا خادم الحرمين الشريفين ([1])

لو كان يخلد بالفضائل فاضل ** وصلت لك الآجال بالآجال
بينما كنت أتابع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، فهي الوسيلة التي تفرز وتبث الأخبار حية وطرية، سواء السار منها والمفرح أو خلافها ..، فإذا بنبأ رحيل حبيب الشعب السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز يدك هضاب القلوب، الذي أذيع قبل فجر يوم الجمعة 3/4/1436هـ، وكان وقع ذاك النبأ المفجع مؤلماً وموجعاً جداً لفقد ذاك الطود العظيم الذي وقف حياته كلها في خدمة دينه ووطنه وشعبه، وفي تسنم القمم العالية.. منها رئاسة الحرس الوطني وتطويره، ثم ولياً للعهد معاضداً أخاه الملك فهد بن عبدالعزيز بكل حنكة وإخلاص إلى أن صعد ملكاً متربعاً على عرش المملكة العربية السعودية عام 1426هـ بعد رحيل الملك فهد -رحمهما الله- ثم تولى بعده زمام الحكم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ملكاً للمملكة العربية السعودية، وعضداه صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولياً للعهد، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ولياً لولي العهد، ووزيراً للداخلية - أعانهم الله وسدد خطاهم - وقد خيم الحزن على أرجاء وطننا الحبيب إلى قلوبنا أسفاً على غياب ورحيل الملك الرحيم بالضعفة والأيتام والمتفاني في حب أبناء شعبه:
من لليتامى والأرامل كافل ** يرجونه في شتوة ومصيف
قد اكتظ قصر الحكم بالمبايعين والمعزيين ساعات متتابعات طوالاً.. من داخل الوطن وسائر المحافظات والمدن والأرياف والهجر..، كما أن أسراب الطائرات من خارج الوطن ومن أماكن بعيدة تأتي هوياً على مطاري الملك خالد الدولي ومطار القاعدة الجوية بالرياض لتقديم العزاء في فقيد الأمة حباً للمليك الراحل ولأبناء الشعب السعودي.
ولقد ازدهرت المملكة العربية السعودية في عهد أبي متعب -طيب الله ثراه -ازدهاراً شاملاً يفوق الخيال، امتداداً لعهد سابقيه الملوك المخلصين، شمل التوسع الهائل للحرمين الشريفين، وابتكار توسعة المطاف حول الكعبة المشرفة ذات الطابقين بطريقة فنية لتيسير الطواف بكل يسر وطمأنينة، مشابهة لتلك الأدوار العملاقة لرمي الجمرات بمنى بكل سهولة وراحة لحجاج بيت الله الحرام:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ** ولو سكتوا أثنت عليك (الحقائق)
كما اهتم بالتعليم والتوسع في تطويره وفي تعدد الجامعات والكليات في كثير من المحافظات، وابتعاث الشباب خارج الوطن إلى كثير من دول العالم، لينهلوا من موارد العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كذلك انتشار المصحات الفخمة في كل محافظة ومدينة وتزويدها بالأطباء المختصين للحد من النزوح خارج الوطن:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ** من لا يعول في الدنيا على رجل
واهتمامه البالغ في توحيد الكلمة بين الأشقاء والعرب واستتباب الأمن والرخاء للمواطنين في ربوع مملكتنا الحبيبة، ومن ذلك السعي إلى وحدة الصف العربي والدعم السخي للقضايا الإسلامية مع الاهتمام بالحوار الوطني مما جعل محبته تطول وتدوم وإن غاب:
تخالف الناس إلا في محبته ** كأنما بينهم في وده رحم
وسيظل ذكره ومحبته وأعماله المشرفة باقية في الأذهان لا يمحوها ماح على مر الملوين جيلاً بعد جيل:
لعمرك ما وارى التراب فعاله ** ولكنما وارى ثيابا وأعظما
ومعلوم أن اهتماماته بالضعفة والأيتام كانت تشغل باله لتخفيف وطأة الفقر وسورته عنهم، مع المبادرة بالمساعدات الضخمة العاجلة المادية والعينية للبلدان المنكوبة والمتضررة المجاورة والنائية معاً، فكل أعمال الفقيد تتسم بالجزالة في جميع المجالات الخيرية، والمشاريع التنموية، فخيرات البلاد سحابة ضافية تهمي على السهول والآكام، كما أن التأريخ لا ينسى محاسن ملوكنا الخمسة بدءاً من جلالة الملك عبدالعزيز مؤسس هذه البلاد -طيب الله ثراه -وحتى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، فكل منهم له بصمات وأثر جديد مخلداً ذكرهم الحسن:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم ** فضل على الناس في اللأواء والنعم
تغمد الله الجميع بواسع رحمته وأعان خلفهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعضديه ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، وولي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف، وجميع أعوانهم المخلصين، ولقد عاش الملك عبدالله مهيباً وحياً حياة سعيدة محترماً عالمياً وفي المحافل الدولية والداخلية موفقاً في آرائه السديدة مسموع الكلمة، ولا غرو فقد تروى حنكة ودراية بالأمور المهمة من مدرسة الوالد الكبير الموحد لأرجاء المملكة. ولئن غاب -أبو متعب -وتوارى تحت طيات الثرى فإن حبه وذكره العطر باق في قلوب أبناء شعبه مدى الأزمان:
إن العظيم وإن توسد في الثرى ** يبقى على مر الدهور مهيبا
ومما خفف مصاب الأمة الإسلامية أن تولى زمام الحكم الملك سلمان بن عبدالعزيز المعروف بالحنكة وبعد النظر، والمعرفة بأحوال الناس، فهو خير خلف لخير سلف. وفي هذه العجالة أعزي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مقرن وولي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف، وإخوته الأمراء الكرام، وأبناء الملك عبدالله والأسرة المالكة الكريمة وجميع المواطنين راجين من المولى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وفضله، وأن يسبغ عليه شآبيب رحمته إنه سميع مجيب.
وأخيراً أهنئ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بتوليه زمام الحكم وولي عهده الأمير مقرن بن عبدالعزيز وولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف، راجياً من المولى أن يمتعهم بلباس الصحة ودوام التوفيق مردداً هذا البيت:
ودم سالما من كل سوء مهنئا ** بما نلته دهرا وما أنت نائله



([1]) نشرت في صحيفة الجزيرة يوم السبت 2 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 21 فبراير 2015م.

الأمير سعود الفيصل بدر أفل وبقي سناؤه

الأمير سعود الفيصل بدر أفل وبقي سناؤه ([1])  

علم من الإعلام غيب في الثرى ** فثوى رهين جنادل وتراب
يختلف وقع الحزن والأسى في نفوس أبناءالشعب السعودي عن غيرهم من سائر الشعوب والأمم الأخرى، حينما يفتقد علمًا بارزًا من أعلام وطنهم قد مليء حنكة ودراية بأبعاد الأمور السياسية، وصفاء القريحة التي هي من أسباب تجنب المسالك الوعرة التي قد تفضي إلى متاعب جمة، ومتاهات واسعة عندما تغيب الأناة والتثبت، فتغلبها العجلة والندامة على شيء يفوت دركه.، ولله در الشاعر:
وأحزم الناس من لو مات من ظمأ ** لم يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
كأمثال صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود عميد الدبلوماسيين ورجل المهام العظام الذي فجع الشعب السعودي والأمتان العربية والإسلامية برحيله وغيابه عن الساحة العربية والدولية، حيث فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها مساء يوم الخميس 22/9/1436هـ بإحدى مصحات الولايات المتحدة الأمريكية بولاية (لوس انجلس) عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عامًا بعد طول معاناة مع المرض بعيدًا عن وطنه مهوى رأسه وعن أسرته، فالآجال مخفية في ضمير الغيب لا يعلمها إلا فاطر السموات والأرض -جل ذكره وثناؤه - وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى في آخر سورة لقمان: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
 وأديت عليه صلاة الميت بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، ثم ووري جثمانه الطاهر بمقابر العدل، ولقد استنفد عمره وشبابه خدمة لوطنه ومنفعة عامة للإنسانية عبر أربعة عقود من الزمن، وزيرًا للدولة وعضوًا بمجلس الوزراء ومستشارًا ومبعوثًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين على الشؤون الخاصة الخارجية، فهو يقفز من قمة إلى قمة أعلى حتى أقعده المرض، مأسوفًا على رحيله وغيابه الغياب الأبدي -تغمده المولى بواسع رحمته- ولقد ولد بمدينة الطائف عام 1358هـ، وترعرع بين أحضان والديه مع أخوته ولداته من أبناء الأسرة المالكة وغيرهم..، وتلقى تعليمه في المراحل الثلاث بمدرسة الطائف النموذجية الواقعة على مقربة من بساتين المثناة جنوبي حي (قروى)، كما اعتنى بتلاوة القرآن الكريم وحفظ ما تيسر من سوره التي استوطنت بركاتها صدره فأضاءته، وفي مقتبل عمره أخذ يحضر مجالس والده الملك فيصل -رحمه الله-ويسمع ما يدور فيها من أحاديث وقصص تأريخيه عن كفاح جده جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه- وانتصاراته المتتابعة في لم شمل أواسط وأطراف مملكته، مما بعث في نفسه روح الحماس والشجاعة ولذة الانتصارات، فلمح والده الملك فيصل مخايل الفطنة والذكاء، وهو ما يزال في ريعان شبابه، فسر والده بهذا التوجه المبكر، فزاد اهتمامه به، كما كان مهتمًا بإخوته من قبله، متوقعًا له شأنًا عظيمًا في قابل حياته المستقبلية -وفعلاً صدقت فراسته - رحمه الله-حيث بعثه إلى الخارج لينهل من العلوم الحديثة وإتقان ما يستطيع من اللغات الأجنبية بجانب اللغة -الأم-لغة القرآن الكريم، لأن الإلمام بالكثير من اللغات تثري حصيلة الإنسان المثقف الأديب، وتوسع آفاق المعرفة لديه، والدراية بأحوال العالم الخارجي وطباعهم ليسهل التخاطب والتفاهم معهم لمصلحة الطرفين.، وخصوصًا من يعمل في المجال التجاري والسياحي مثلاً، أو في السلك السياسي الدبلوماسي كصاحب السمو الملكي الأمير المحبوب سعود الذي يقال عنه إنه يلم بأكثر من سبع لغات، وقد اعتبر من معجزات زمانه ذكاء وفطنة، ولقد أجاد الشاعر صفي الدين الحلي بقوله:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه ** وتلك له عند الشدائد أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعًا  ** فكل لسان في الحقيقة إِنسان

مما أهلته في كثير من المناسبات والمحافل الدولية لاويًا أعناق الجماهير نحوه إكبارًا واحترامًا، وقد حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة (برنستون) بولاية نيوجرسي الأمريكية عام 1964م بتفوق، ولقد أحدث غيابه فجوة واسعة في الميادين السياسية والدبلوماسية والمؤتمرات المهمة العربية والدولية، فصوته عالٍ مسموع ورأيه محل القبول:
والناس ألف منهم كواحد  ** وواحد كالألف أن أمر عنى
ولا عجب فقد تخرج من مدرسة والده الملك فيصل -رحمهما الله -، فحياته كلها جد وكفاح واعتدال في آرائه السديدة التي تهدف إلى نصرة الحق، والتآلف بين الشعوب الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، مع تجنب الخلافات بين الأمم الأخرى كي يسود الأمن والاستقرار بينهم وكسب صداقتهم، وتبادل المصالح فيما بينهم ليتم التعايش في أمن واطمئنان، وهذا من أهدافه السامية ورجاحة عقله وبعد نظره، وفهمه للأمور كلها، - تغمده المولى بواسع رحمته- ولقد فطر على حب الخير ورعاية المساكين في كل مكان، ومما ينقل عنه قبيل وفاته وهو يكابد عقابيل المرض وصيته وقوله لمعالي وزير التعليم الدكتور عزام بن محمد الدخيل: (اهتم برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة) فهي وصية مخلص ومودع ولسان حاله يذكره بقول طرفه بن العبد:
لعمرك ما الأيام إلا معارة ** فما اسطعت من معروفها فتزود
فكله نصح وعطف، ويحسن بي أن اختتم هذه الكلمة الوجيزة التأبينية بالنص الآتي الذي ينطبق تمامًا على سمو الأمير سعود الفيصل -رحمه الله-(لما دفن الأحنف بن قيس قامت امرأة على قبره فقالت: نسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الخير دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، فوالله لقد كنت في المحافل شريفًا، وعلى الأرامل عطوفًا، ولقد كنت في الحي مسودًا، وإلى الخليفة موفدًا، ولقد كانوا لقولك مستمعين ولرأيك متبعين، فقال الناس ما سمعنا كلام امرأة أبلغ ولا أصدق معنى منها..). ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
سلام على القبر الذي ضم أعظما ** تحوم المعالي حولها وتسلم
ولئن غاب عن الوجود (أبو محمد) فإن ذكره يدوم على تعاقب الملوين، ولسان حال الشعب السعودي يتقدم إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ونائبيه الكريمين بأحر التعازي في وفاة فقيد الأمتين العربية والإسلامية، رحم الله الفقيد وألهم ذويه وأخوته وأبناءه وكريماته وزوجته وأحفاده الصبر والسلوان .



([1]) نشرت في صحيفة الجزيرة يوم الجمعة 1 شوال 1436هـ، الموافق 17 يوليه 2015م.

رحم الله كريم السجايا باذل الخير الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز

رحم الله كريم السجايا باذل الخير الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز ([1])
يا غائباً في الثرى تبلى محاسنه ** الله يوليك غفراناً وإحسانا
التاريخ على المدى البعيد كذاكرة الإنسان شاهد العصر والعصور.. تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، فيضعف الذي في الصدور وفي ذاكرة الإنسان، ثم يتلاشى ويُنْسى..، أما التاريخ المسطر فغالباً ما يُدون في الوثائق وفي بطون الكتب فيظل محفوظاً إلى ما شاء الله..، فهو مستودعٌ آمن لذكر مآثر الإنسان أو مساوئه..، مهما تطاول الزمن فالسعيد كل السعادة من يترك آثاراً طيبة، وذكراً حسناً ما دام على ظهر الأرض متمتعاً بكامل قواه، ومنعّماً بوفرة من المال، وعدد من البنين قرّة العين، قبل أن يسكن باطنها وحيداً لا أنيس معه سوى ما قدمه من حسنات وأعمال صالحة..
مُجاور قوم لا تزاور بينهم ** ومن زارهم في دارهم زار هُمّدا
أمثال صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب فيصل بن فهد بن عبدالعزيز الذي غاب عن أحبته وعن أسرته على عجل، - تغمده المولى بواسع رحمته وفضله -
نعم: رحل الرجل اللطيف رجل الإحسان العطوف على الضعفاء والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة والعامة. الباذل بسخاء لإسعادهم والتخفيف من مصابهم..، وحضوره إلى منازل من يفجع منهم بغاليه مُحتضناً صغارهم، وماسحاً على نواصي أيتامهم..، مواسياً كبارهم..، رجاء المثوبة من المولى رب العالمين جلّ ذِكرهُ ، وهذا هو عين الكرم والتواضع والرحمة:
وبارك الله في الأرض التي ضَمِنَتْ ** أوصالهُ وسقاها باكر الديم
ولقد ولد -رحمه الله -بمدينة الرياض عام 1365هـ, 1946م وعاش في بيئة علم وأدب منذ فجر حياته، متفوقاً في مراحله الدراسية المتوسطة والثانوية، ومحبوباً لدى زملائه ومعلميه ومواصلاً دراسته الجامعية حتى تخرج من جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1393هـ مع مرتبة الشرف..، وهو متزوج وله عدد من الأبناء الأمير نواف والأمير خالد وثلاث بنات -رحمه الله -ومتع الجميع بكامل الصحة والسعادة..، وقد تسنم العديد من الأعمال المشرفة، ورأس الكثير من اللجان التي تتعلق برعاية الشباب وتوجيههم التوجيه الأمثل ليصبحوا رجالاً صالحين وقدوة للأجيال المتتابعة، فهم رجال المستقبل في خدمة دينهم ووطنهم وأبنائه، وكان لا يفوته يوم فيه أجر وشرف. ولا ننسى مشاركاته بالدعم السخي لكثير من الجمعيات، ومنها دعمه للجمعية السعودية لرعاية الأطفال المعوقين ومشروعاتها بملايين الريالات، كما لا تنسى محافظة حريملاء تبرعه السخي لتأمين بعض الأجهزة الطبية الهامة لمستشفى حريملاء العام كعادته في التماس ما يحتاج إليه أبناء الوطن، كما سعدت حريملاء بتشريف ابنه البار صاحب السمو الملكي الأمير نواف الرئيس العام لرعاية الشباب سابقاً بعد رحيل والده رحمه الله لاطلاعه على الأجهزة الطبية التي تبرع بها..، وتكريم الفائزين في مسابقة والده  لحفظ القرآن الكريم بمقر نادي الشعيب بمحافظة حريملاء.. الذي ترك آثاراً طيبة في النفوس سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي فأياديه بيضاء وسمعته معطرة بالثناء يدعى له بالمغفرة وحسن الوفادة من رب العالمين:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبد الإنسان إحسان
ولي معه بعض الذكريات منذ عقود مضت..، في إحدى القاعات الرحبة على مقربة من الناصرية التي جملتها منصات لتوجيه الشباب ورعاية سموه لهم وقد عرضت عليه تشريفنا بحريملاء فوعد وعداً لاحقاً فلم نسعد بتحقيقه لتزاحم الأعمال لديه رحمه الله رحمة واسعة وبارك في نجله البار صاحب السمو الملكي الأمير نواف الذي منحه المولى صفات حميدة وشخصية جذابة تجعل الشباب يميلون إلى توجيهاته الابوية احتراماً وحباً وخاصة شباب التربية الرياضية وأنشطتها، وكأني بلسان حال من أغدق عليه بأنعامه وأفضاله في تلك الحقب المتباعدة يردد قول البحتري:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ** وسَورةِ أيامٍ حزن إلى العظم
تغمده المولى بواسع رحمته وألهم ذويه ونجليه الكريمين نواف وخالد وكريماته الفضليات وعقيلته والأسرة المالكة كافة الصبر والسلوان.



([1]) كتبت بمناسبة زيارة صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن فيصل، الرئيس العام لرعاية الشباب سابقاً، لمحافظة حريملاء يوم الجمعة 19 ذو القعدة 1420هـ الموافق 26 فبراير2000م، وتكريم الفائزين بالجائزة السنوية لحفظ القران الكريم التي تحمل أسم والده رحمه الله، والتي نظمها نادي الشعيب بمحافظة حريملاء.

رحمك الله يا فيصل بن فهد

رحمك الله يا فيصل بن فهد ([1])
غمرتنا بأياديك التي سلفت ** لا زلت في (رحمات الله مسروراً)
الاستمرار في تشجيع الناشئة لحفظ كلام الله من أفضل الأعمال التي تضاعف فيها الحسنات ويتقرب بها إلى مرضاة الله حيث الجائزة السنوية لحفظ القران الكريم التي نظمها نادي الشعيب بمحافظة حريملاء التي تحمل اسم صاحب السمو الملكي الأمير الراحل فيصل بن فهد -يرحمه الله -في عامها الخامس، والتي تشرف بافتتاحها في عامها الأول نجله البار صاحب السمو الملكي الأمير نواف أثناء زيارته للمحافظة، وتفقده للأجهزة الحديثة التي سبق أن تبرع بها والده -رحمه الله -لمستشفى حريملاء العام، وحضوره للاحتفال الذي أقامه الأهالي تكريماً له بهذه المناسبة السعيدة، وقد أينعت ثمار هذه الجائزة على مر السنوات الأربع، فتضاعف العدد والإقبال على التنافس في حفظ كتاب الله من أبناء حريملاء والبلدان المجاورة لها.. حيث بلغ عدد المستفيدين في العام المنصرم 1424هـ (144) متسابقاً، منهم من أكمل كتاب الله حفظا وتلاوة مجودة. فالقرآن الكريم إذا سكن صدور تلك البراعم الصغيرة أضاءها وأضفى على نفوسهم الوقار والسكينة، وحصنهم من الاختلاط بقرناء السوء فالقرآن نور بالليل وهدى بالنهار فحامل كتاب الله مميز على غيره تلمح على محياه البشر والبشاشة، ولين الجانب والصدق، وحسن التعامل مع الغير.. فالاستمرار في تشجع مثل هؤلاء النخبة من أفضل القربات التي يدخر أجرها عند الله للمحسنين، ولك أن تتصور فرح أولئك الفائزين وهم يتدافعون على أعتاب تلك المنصة -مع فرح والديهم وذويهم لذلك المشهد وهم يستلمون جوائزهم المادية والكتب والحقائب.. إلخ، ثم يذهبون إلى منازلهم مسرعين ومحتضنين ما نالوه من تكريم وتشجيع.
فماجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ** ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
 فمتابعة صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن فيصل ودعمه لأمثال هذه المسابقات وغيرها من أعمال البر والخير يدخر أجرها له ولوالديه، ولسان حال كل من امتدت إليه يد الإحسان والتشجيع يردد هذا البيت:
هذا ثنائي بما أوليت من حسن ** لازلت عوض قرير الدين محمودا
وكان للمجمع الكبير العملاق مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة أكبر معين لحفظ كتاب الله وتلاوته في جميع مساجد ومدارس المملكة، وقد أمر خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله -بأن يكون في متناول الملايين من المسلمين في أصقاع المعمورة، والاستمرار في الطباعة والإهداء خارج البلاد بواسطة المراكز الإسلامية، وممثلي الدولة في تلك البقاع النائية.. مع ترجمة المعاني حسب لغة كل بلد..  كما أنه يوجد أشرطة يستعان بها في فهم الإسلام وحقيقته كل ذلك مجانا ابتغاء مرضاة الله وذلك يعد من مفاخر البلاد السعودية في هذا العصر الزاهر عصر خادم الحرمين الشريفين - أمد الله في عمره - وعمر ولي عهده الأمين، وألبس النائب الثاني ثوب الصحة والعافية، وجميع الأسرة المالكة وأعوانهم المخلصين.
  ولقد أجاد الشاعر حيث يقول:
تعود فعال الخير دأباً فكل ما ** تعود الإنسان كان له طبعاً



([1])  نشرت في صحيفة الرياض يوم الثلاثاء 6 ربيع الآخر1425هـ، الموافق 25 مايو 2004م.

ورحل وزير الملوك الدكتور عبدالعزيز الخويطر

ورحل وزير الملوك الدكتور عبدالعزيز الخويطر ([1])
تولى وأبقى بيننا طيب ذكره ** كباقي ضياء الشمس حين تغيب
ما أصعب فقد الصالحين المخلصين في عبادة الله تعالى، والمتفانين في خدمة أوطانهم وملوكهم، المتصفين بالأمانة والنزاهة، وعدم المحاباة فيما أؤتمنوا عليه من مال وأسرار بحسب مكانة كل إنسان وحجم مسؤولياتهم في المهام السياسية لتمثيل بلدانهم في المحافل الدولية، وتذليل العقبات الخاصة إن وجدت ..، فإن غياب مثل أولئك الأعلام يُحدث فراغاً واسعاً وفجوة عميقة يتعذر رَدْمُها -إلا ما شاء الله -وهذه الصفات مُجتمعة تتجلى في شخص فقيد الوطن معالي الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر وزير الدولة لشؤون مجـــلس الــوزراء الذي لبى داعــــي المولى يوم الأحد 26/7/1435هـ -تغمده الله بواسع رحمته وأُديت عليه الصلاة بعد صلاة عصر يوم الثلاثاء 28/7/1435هـ بجامع الأمام محمد بن عبدالوهاب الواقع قُبالة مقبرة النسيم شرقي مدينة الرياض، يتقدمهم صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولي ولي العهد وجموع غفيرة من العلماء وأصحاب السمو الأمراء والوزراء، وعدد كبير من المصلين رجالاً ونساء داعين له بالرحمة والمغفرة، وحسن الوفادة من رب العباد.
ولقد ولد الفقيد في مدينة عنيزة بالقصيم عام 1344هـ، وترعرع في أكنافها بين أقرانه وأترابه كأمثاله من الصّبية في مُستهل حياتهم الطفولية، وظل بها حتى أكمل الابتدائية، ثم انتقل مع والده الى مكة المكرمة حتى أكمل المرحلة الثانوية، ثم حصل على الليسانس من دار العلوم بالقاهرة عام 1371هـ، والدكتوراه في التاريخ من جامعة لندن عام 1380هـ، ثم عين في العام نفسه أميناً عاماً لجامعة الملك سعود، ثم وكيلاً لها، بعد ذلك بفترة قصيرة عين وزيراً للصحة مدة عامين تقريباً، ثم وزيراً للمعارف مدة واحد وعشرين عاماً..، حتى صدر الأمر السامي عام 1416هـ بتعيينه وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء إلى أن لاقى وجه ربه، ولم تعقه أعماله الجليلة التي تسنّمها مدى عمره المبارك الطويل على التأليف، فقد صدر له اثنان وعشرون مؤلفاً بلغ عدد مجلداتها ثمانين مجلداً، آخرها الجزء السادس والثلاثين من كتاب (وسم على أديم الزمن -لمحات من الذكريات عام 1435هـ):
ما زلت تلهج بالتأريخ تكتبه ** حتى رأيناك في التأريخ مكتوبا
وكان -رحمه الله -يَبعثُ لي باستمرار ثلاث نسخ من كل مؤلفاته، فأنا أراه بمنزلة الأخ الشقيق حباً واحتراماً، ومن أفضاله أن قدم لباكورة قلمي الكتاب (فقد ورثاء) ثلاثة أجزاء مع اختيار العنوان، وقد بالغ في وصف الكتاب -غفر الله له -وكنت أتشرف بزيارته في منزله بحي الريان الذي هو بمنزلة الصالون الأدبي، يؤمه الكثير من الوجهاء والأدباء، فيستقبل الحضور بطلاقة محياه البشوش الذي لا تفارقه الابتسامة وبالمنطق الحسن، فمجلسه لا يمل بما يُطرح فيه من أحاديث وقصص طريفة تُؤنس السامعين، ولكن سرور الدنيا لا يدوم أبد الليالي والأيام:
تقضت بشاشات المجالس بعده ** وودعنا إذ ودع الأنس والعلم
وقد كان نجم العلم فينا حياته ** فلما انقضت أيامه أفل النجم

فالأمل في الله ثم في ابنه المبارك الشاب الأديب محمد أن لا يهجر البَابَ حاجبُه بعد رحيل حبيب الجميع -أبو محمد -تغمده الله بواسع رحمته.
 ولقد عُرف عن معالي الوزير الدقة والإخلاص أثناء تربعه على وزارة المعارف -آنذاك -عندما عرض أحد العقاريين مساحات من الأرض على الوزارة بأسعار مرتفعة لإقامة عدد من المشاريع والمدارس عليها، فلم يوافق على شرائها، ثم ذهب مُتنكراً حتى وصل الى صاحب العقار في مكتبه، فأخذ بالحديث معه فاشتراها بأقل من نصف القيمة المقدمة للوزارة، وهذا يدل على منتهى الأمانة والإخلاص، فكل أعمال أبي محمد تتسم بالأمانة والنزاهة.
وقبل ختام هذه الكلمة الموجزة يحسن بي أن أذكر النص الذي قيل في الأحنف بن قيس لأعطِّر به هذا التأبين المتواضع، وهو نص ينطبق تماماً على مثل أبي محمد (قِيلَ لما دُفن الأحنف بن قيس وُقِفَ على قبره فَقِيل: نسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الخير دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، فوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل عطوفاً، ولقد كنتَ في الحي مُسَوّداً، والى الوالي مُوفَّداً، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك مُتبعين). وقيل: ما سُمع كلام أبلغ ولا أصدق معنى من ذلك، ولئن توارى عن نواظرنا حبيبنا، وبات تحت طيات الثرى، فإن ذكره الطيب وذكرياتنا معه باقية في طوايا النفس مدى العمر..
ختمتُ على وِدَادِك في ضميري ** وليس يزالُ مختوما هناكا
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وأسكنه عالي الجنان، وألهم ذويه وإخوته وأخواته وابنه محمد وشقيقاته وعقيلته أم محمد الصبر والسلوان.



([1]) نشرت في صحيفة الجزيرة يوم الخميس 30 رجب 1435هـ، الموافق 29 مايو 2014م.